الاخبار

محمد حامد جمعة نوار يكتب : تريثوا… فالصورة لم تكتمل بعد

خرطوم سبورت

 

محمد حامد جمعة نوار يكتب : تريثوا… فالصورة لم تكتمل بعد

 

متابعات_خرطوم سبورت

 

في خضم التسارع الميداني وتدفق الأخبار من جبهات القتال في كردفان، تبدو الحاجة ملحّة لشيء من التريث، لا سيما عند قراءة تحركات الجيش السوداني الأخيرة في مناطق كازقيل والحمادي والدبيبات. فالمشهد، على ما يبدو، لا يُقرأ بسطحية التقدم والانكفاء، بل بمنطق العمليات التكتيكية المركبة التي تتجاوز فكرة “التمسك بالأرض” إلى ما هو أعمق: إنهاك العدو وتفكيك قدراته على مراحل.

ما جرى، وفق تقديرات أقرب إلى طبيعة الميدان، لا يُشبه عمليات الانتشار التقليدي أو السيطرة المستدامة، بقدر ما يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ”العمليات الخاطفة” ذات الأهداف المحددة. مناطق مفتوحة، مكشوفة، متداخلة مع نطاقات تمركز الخصم—هذه ليست بيئة مثالية للتمركز طويل الأمد، بل ساحة نموذجية لتوجيه ضربات مركزة وسريعة، تُربك العدو وتستنزف قدراته.

الحديث هنا عن تكتيك معروف في العلوم العسكرية: “اضرب وارجع”. تدخل القوة، تُحدث الأثر المطلوب—خسائر مباشرة، تعطيل خطوط، اختبار رد الفعل—ثم تنسحب إلى مواقع أكثر أمانًا، تاركة خلفها خصمًا مرتبكًا، منهكًا، ومكشوفًا. ليست هزيمة، بل إدارة ذكية للمعركة.

بل إن هذه التحركات قد تحمل في طياتها أكثر من هدف: ضربة وقائية لتقليل تهديدات وشيكة، اختبار لقدرات العدو وانتشاره، وربما تثبيته في نطاق معين تمهيدًا لعملية أكبر لم تُكشف بعد معالمها. في الحروب، ليست كل خطوة للأمام تعني تثبيتًا، ولا كل تراجع يُعد خسارة.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في ما يجري على الأرض، بل في كيفية روايته. التسرع في تفسير المشهد قد يمنح العدو ما لم يحققه ميدانيًا: نصرًا إعلاميًا. حين يعود إلى ذات المواقع، قد يُصوَّر الأمر على أنه “صدّ للهجوم”، بينما الحقيقة قد تكون أنه لم يُطرد أصلًا، بل تُرك بعد أن استُنزف.

لهذا، فإن التريث ليس ترفًا، بل ضرورة. الصبر هنا جزء من الفهم، وجزء من المعركة أيضًا. ما يحدث الآن قد يكون مجرد فصل في خطة أكبر، تُدار بإيقاع محسوب، حيث تُبنى النتائج لا بالاندفاع، بل بالتراكم.

القوات المسلحة، وفق هذا المنظور، نفذت ما أرادت، أصابت أهدافها، وعادت. أما ما تبقى، فهو قيد الترتيب… وقادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى