الاخبار

عصام أبومدينة يكتب: النهود… قصة مدينةٌ ذُبحت على مهلٍ

خرطوم سبورت

 

عصام أبومدينة يكتب: النهود… قصة مدينةٌ ذُبحت على مهلٍ

في يوم الأربعاء الثلاثين من أبريل 2025 لم يكن الهواء في مدينة النهود مجرد ريحٍ عابرة، بل كان أنفاساً مضطربة تتسلل إلى الصدور بحذر، كأنما يخشى أن يمنح الضحايا شهيقاً أخيراً. كنا نجلس في أركان مدينتنا التي ألِفنا أوجاعها، نتحلق حول صمتٍ ثقيل، وعيوننا ترفض التلاقي؛ لأن التحديق في وجه الآخر كان يعني اعترافاً صريحاً بأن مدينتنا تُحتضر.
لم تكن الشجاعة هي ما يبقينا في أماكننا، بل كان الخوف المشلول على أمهات لا يقوين على الركض، وأطفالٍ يجهلون معنى الفناء، وبيوتٍ ظلت واقفة بعجز لأنها لا تملك أقداماً تفر بها معنا. كنا ندرك أن القادمين لا عهد لهم ولا ذمة.
وحين هبط المساء، لم يجلب معه السكينة، بل جاء مثقلاً بالذعر.
عند الساعة السابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة مساءً، وفي الوقت الذي كان يجب أن يرتفع فيه نداء الصلاة، انفتحت أبواب الجحيم. انفجارٌ أول تبعه آخر، وبدأت القذائف تنهش جسد المدينة من جهتها الشمالية الغربية. لم تكن تبحث عن ثكنات، بل كانت تصطاد القلوب لتكسرها. اهتزت الأرض، وارتجفت الجدران، واختبأ الصغار في أحضان أمهاتهم تلك الأحضان التي كانت أضعف من أن ترد الموت، لكنها كانت ملاذهم الأخير من الخوف.
مرّت تلك الليلة كأنها جنازة كونية لا تنتهي، حتى بزغ فجر الأول من مايو العام 2025 م وفي تمام السابعة صباحاً انهمر أزيز الرصاص وكأنه يخبرنا أن ما مضى من ليلة الخميس كان مجرد (مقبلات) لمائدة الدم القادمة. خرجنا من بيوتنا كالأشباح، لنجد الشوارع قد تنكرت لنا، والجنود العائدين من الجبهات يجرون انكسارهم بخطى واهنة، وبنادق خالية من الذخيرة، وعيون مطفأة تخبرك ان مدينة النهود قد سقطت في الملي شيا.
في العاشرة صباحاً، زحف الوباء. دخلت سيارات الدفع الرباعي حينا وعليها جنود بلهجات غريبة وأشكال أغرب من اول وهلة يبدون انهم مرتزقة.
لم يحتج الأمر إلى بيان عسكري ليعلن سقوط مدينة النهود، فقد سمعنا صوت السقوط في ارتجاف أيادي صغارنا ونظرات أمهاتنا المكسورة. اقتحموا البيوت بحقدٍ دفين، نهبوا، وقتلوا، وانتهكوا الحرمات؛ لا لضرورة قتالية، بل لأن الدم كان عندهم غاية، والنهب هو النشوة.
خرجنا بعدها من بيوتنا ولم يكن خروجنا هرباً من حرب، بل كان خروجاً من قبرٍ مفتوح. سحبنا أقدامنا كأننا نجر أثقال الجبال. الأطفال صمتوا في نضجٍ مثقل بالخوف، والكبار لجمت ألسنتهم الصدمة. وحين واجهنا الغزاة في طريق خروجنا من مدينة النهود ، لم يرفعوا السلاح بل رشقونا بكلماتٍ كانت أنفذ من الرصاص فما كان لنا الا ان نواصل المسير.
غادرنا النهود بحزف مكلوم، نجرُّ خلفنا ذكرياتنا ونداري اوجاعنا، لم نكن نُهاجر، بل كنا نُنتزع من رحم الأرض لنُلقى في مهب النزوح، وفي قلوبنا مقابر مفتوحة لن تُغلق أبداً. غادرناها نازحين من الوجع…. من عارِ الخيبة… من مدينةٍ ذُبحت على مهل… ورغم ذلك يظل أمل العودة ودحر الملي شيا حق لا يقبل المساواة.
حفظ الله قواتنا المسلحة والقوات المساندة لها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى