د. فردوس عمر عثمان أبو مدينة تكتب : سواعد الإعمار وعقول النهضة : التعليم التقني والتقاني وبناء السودان الجديد
خرطوم سبورت

جرعة وعي : سواعد الإعمار وعقول النهضة : التعليم التقني والتقاني وبناء السودان الجديد
*كتبت : د. فردوس عمر عثمان أبو مدينة*
*أستاذ مشارك -جامعة غرب كردفان*
يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي حرج تتداخل فيه جراحات الواقع مع استشراف المستقبل. وإذا كانت الحروب والنزاعات تهدم البنى التحتية ومؤسسات الدولة ، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المواطن هو إعداد “الإنسان” المؤهل لقيادة هذه العملية. وفي خضم هذا السعي نحو النهضة ، تبرز قضية محورية ظلت مغيبة في العقود الماضية بفعل موروثات ثقافية واجتماعية مجحفة، ألا وهي : قضية التعليم التقني والمهني، وإعادة الاعتبار للعمل اليدوي كركيزة أساسية لا غنى عنها لبناء الدولة.
لقد عانى الوجدان الجمعي السوداني ولأمد طويل، من أزمة مفاهيم حادة صاغت نظرته إلى التعليم والعمل حيث ترسخت في الأذهان تراتبية طبقية وهمية تمنح الشهادات الأكاديمية النظرية هالة من الوجاهة الاجتماعية، في حين تصم العمل اليدوي والمهني بالدونية والتقليل من الشأن. هذه النظرة لم تكن مجرد خلل اجتماعي عابر، بل كانت ثقباً استنزف طاقات الملايين من شبابنا، ودفع بهم نحو بطالة مقنعة بشهادات جامعية لا يطلبها سوق العمل، بينما ظلت مشروعاتنا التنموية والصناعية تفتقر إلى الأيدي الماهرة والعقول الفنية المبدعة.
فيجب علينا دحض هذه النظرة للضرورة الاستراتيجية لحفظ الأمن الوطني والاقتصادي. كما إن المجتمعات الحية التي نهضت من رماد الحروب -كألمانيا واليابان- لم تعتمد على النخب النظرية وحدها، فقد قامت ايضا على أكتاف التقنيين، والمهندسين التطبيقيين، والحرفيين المهرة. فهم العصب الحقيقي الذي يحول خطط التنمية من حبر على ورق إلى واقع ملموس يحرك عجلة الحياة.
كما أننا عندما نتحدث عن إعادة الإعمار في السودان فإننا نواجه استحقاقات ماثلة من شبكات مياه مخرّبة تحتاج إلى صيانة، ومحطات كهرباء تتطلب تشغيلاً برؤى حديثة، ومستشفيات ومدارس تنتظر التجهيز التكنولوجي، إلى مصانع ومشاريع زراعية تترقب تشغيل خطوط الإنتاج. من يقوم بكل هذا؟ إنهم خريجو المعاهد الفنية، والمدارس الصناعية، والكليات التقنية. فالفني الذي يدير شبكات المعلوماتية، والميكانيكي الذي يبعث الحياة في الآلات الزراعية، هم الرواد الحقيقيون لمعركة البناء القادمة.
فالدولة السودانية بمؤسساتها الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، مطالبة اليوم بتبني ثورة مفاهيمية شاملة ترتكز على محاور حاسمة تتمثل في الآتي :
اولا / صياغة سياسات تعليمية مرنة تدمج تكنولوجيا المعلومات والإنتاج الرقمي في التعليم المهني، ليتواكب المهني السوداني مع معايير العصر وتتحول الحرفة من نمطها التقليدي إلى نمط ذكي وعالي الإنتاجية.
ثانيا/ مراجعة الهياكل الأجرية والوظيفية في الدولة والقطاع الخاص بما يضمن للتقنيين والحرفيين حياة كريمة ومكانة مادية وأدبية توازي حجم عطائهم الإستراتيجي.
ثالثا/ تفكيك الموروث الثقافي السالب عبر الخطاب الإعلامي والرقمي الرصين، وإبراز النماذج الناجحة للحرفيين والتقنيين كقادة رأي، وتأصيل قيم “شرف العمل” في المناهج التعليمية منذ المراحل الباكرة.
فاليد التي تنتج وتبني، وتصلح، هي اليد المؤهلة وحدها لمسح غبار الحرب عن وجه السودان. لقد حان الوقت لتتراجع ثقافة الوجاهة الزائفة أمام ثقافة العطاء والإنتاج، فالتاريخ يعلمنا أن قوة الأوطان لا تقاس بعدد حملة الشهادات النظرية العاطلة بل بعدد السواعد الماهرة والعقول التقنية التي تحول الركام إلى عمران، وتبني وطناً شامخاً يتسع لتطلعات بنيه.
هذا مع كامل الود والتقدير











