
الصراع بين الدولة الدينية والعلمانية في السودان.
اسماعيل شريف
دخل الإسلام إلى السودان عبر طرق التجارة والهجرات والدعوة الصوفية، وانتشرت الخلاوى والطرق الصوفية في مختلف الأقاليم، وأصبحت المرجعية الدينية جزءاً من الحياة اليومية للسودانيين. لذلك ارتبط الولاء الاجتماعي والروحي بمشايخ الطرق والعلماء أكثر من ارتباطه بالمؤسسات السياسية الحديثة.
الفارق بين الإسلام الاجتماعي والإسلام السياسي
من المهم التمييز بين الإسلام كدين وثقافة وهوية جامعة، وبين الحركات الإسلامية كتنظيمات سياسية. فالتراجع الذي أصاب بعض التجارب السياسية الإسلامية لا يعني بالضرورة تراجع حضور الإسلام في المجتمع السوداني، إذ ما زالت المؤسسات الدينية والخلاوى والطرق الصوفية تحظى بقبول واسع يتجاوز الانقسامات الحزبية.
ضعف الجذور الاجتماعية للعلمانية
المشروع العلماني في السودان واجه تحديات عديدة، ليس فقط بسبب قوة التدين الشعبي، وإنما أيضاً لأنه ارتبط أحياناً في الوعي العام بالنخب الحضرية أو بالتأثيرات الخارجية أكثر من ارتباطه بحاجات المجتمع التقليدي. كما أن الأحزاب التي تبنت شعارات علمانية لم تنجح غالباً في بناء قواعد جماهيرية تضاهي القواعد التي بنتها الحركات ذات المرجعية الدينية والطائفية.
تراجع البدائل الأيديولوجية
شهد السودان، كما بقية المنطقة، تراجعاً للمشاريع الاشتراكية والقومية العربية منذ نهاية الحرب الباردة. وفي المقابل لم تستطع الرأسمالية الليبرالية أن تتحول إلى مشروع فكري شعبي واسع بسبب ضعف التنمية واتساع الفقر والتفاوت الاجتماعي. وهكذا ظل الدين يحتفظ بمكانته كمرجعية أخلاقية وثقافية أكثر رسوخاً من الأيديولوجيات المستوردة.
ما يقوله بعض الباحثين
يرى عدد من الباحثين في الشأن السوداني أن أي مشروع سياسي مستقبلي لا يمكن أن يتجاهل حقيقة التدين العميق في المجتمع السوداني، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع النجاح إذا حوّل الدين إلى أداة للصراع السياسي أو الإقصاء. لذلك يطرح بعضهم نماذج وسطية تقوم على دولة مدنية تستلهم القيم الإسلامية وتحترم التعدد الديني والثقافي، بدلاً من الصراع الحاد بين “الدولة الإسلامية” و”الدولة العلمانية”.
ومن هنا يمكننا القول
“إن الإسلام في السودان ليس مجرد خيار أيديولوجي بين خيارات سياسية متنافسة، بل هو مكوّن تأسيسي للهوية الوطنية والاجتماعية. لذلك فإن فرص أي مشروع سياسي تتجاهل هذا الواقع تبدو محدودة، بينما يظل التحدي الحقيقي في كيفية التوفيق بين المرجعية الإسلامية والتعدد الثقافي والديني ومتطلبات الدولة الحديثة.”











