
عائشة الماجدي تكتب
البيئة دفعت الثمن
حين دوت البنادق في مدن السودان لم تكن الخسائر محصورة في الأرواح والمباني فحسب بل امتدت يد الخراب إلى ما هو أعمق وأبطأ تعافياً إلى الأرض التي نحيا عليها والهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه الحرب لم تدمر الحاضر فقط لقد رهنت المستقبل البيئي للبلاد بديون ثقيلة لن تسددها أجيال بل ستدفع ثمنها من اجسادهم ..
قٌطعت الأشجار بلا حساب لتصبح فحماً يباع في الأسواق وغابات كانت رئة للمدن تحولت إلى رماد في ليالٍ باردة تمدد التعدين العشوائي بحثاً عن ذهب سريع فحفر في باطن الأرض جراحاً مفتوحة وسقى التربة بالزئبق والسيانيد وكانت النتيجة موت الناس ومرضهم ..
أنهارنا التي كانت شريان حياة تحولت إلى مكب مفتوح مياه ملوثة بالنفايات والمخلفات الطبية ومخلفات الحرب يشرب منها المواطن المنهك وهو لا يدري أن الثمن سيدفعه جسده بعد حين كٌحة وحٌميات والتهابات وما معروف عيان بشنو !
المدن التي عادت إليها الحياة وجدت نفسها محاصرة بجبال من النفايات المتراكمة بلا منظومة نظافة تعمل وبلا وعي جمعي يحمي المكان الهواء صار أثقل بدخان المولدات والحرائق والتربة صارت أفقر بعد أن غابت الزراعة وحضر النهب وبعد مجهود كبير ظهر بعض الشباب النضر في تشجير بعض الشوارع على حسب مقدراتهم المحدودة …
إنها ليست أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها ببيان أو حملة إعلامية إنها كارثة تراكمية ستنعكس على الصحة العامة وعلى الأمن الغذائي وعلى مناخ بلد أصلاً هش…
المفارقة أننا نتحدث عن إعادة الإعمار والبناء ونغفل أن أي إعمار بلا بيئة هو إعمار على رمال متحركة لا مدارس سليمة بلا هواء نظيف ولا اقتصاد ينهض بلا ماء صالح وتربة منتجة ولا مجتمع يتعافى وهو محاط بالتلوث والأمراض.
ما نحتاجه اليوم ليس خطاباً عاطفياً عن الشجر والنهر بل قراراً سيادياً يضع البيئة في قلب أولويات الدولة وقف فوري للتعدين المدمر وتشديد الرقابة عليه إعادة تأهيل منظومات المياه والصرف الصحي خطة قومية لإدارة النفايات وبرامج واسعة للتشجير وإحياء الغطاء النباتي والأهم من ذلك كله إشراك المجتمعات المحلية في حماية بيئتها لأنها أول المتضررين وآخر من يسمع له صوت.
الحرب ستنتهي يوماً ما لكن ندوبها على الطبيعة قد لا تندمل إذا لم نتحرك الآن فإننا لا نخسر معركة اليوم فقط بل نخسر معركة الغد التي ستخوضها أجساد أطفالنا وأرضنا التي لم يعد فيها متسع لمزيد من الخراب والمرض والموت …
وبس..











