الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : هل تسبق المدافع طاولة التفاوض؟

خرطوم سبورت

 

هل تسبق المدافع طاولة التفاوض؟

 

قراءة في احتدام المعارك بالسودان بين منطق الحسم العسكري ورهانات التسوية السياسية

 

إسماعيل شريف

 

في تاريخ الحروب السودانية، كثيرًا ما كانت المدافع تتحدث بصوت أعلى كلما اقتربت السياسة من استعادة دورها. فقبل اتفاقية نيفاشا، شهدت جبهات الجنوب والنيل الأزرق تصعيدًا عسكريًا واسعًا، وتبادلت الأطراف السيطرة على مدن مثل توريت والكرمك وهمشكوريب وغيرها من المواقع ذات القيمة الاستراتيجية. وقبيل مفاوضات أبوجا، اشتعلت دارفور بمعارك هدفت إلى إعادة رسم ميزان القوى على الأرض قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.

لم تكن تلك المعارك مجرد تطورات ميدانية عابرة، وإنما كانت جزءًا من معركة أخرى تُدار في الكواليس، حيث سعى كل طرف إلى الوصول إلى المفاوضات وهو يحمل أكبر قدر ممكن من أوراق القوة. فالخرائط التي يرسمها المقاتلون في الميدان كثيرًا ما تتحول إلى خرائط يتفاوض عليها السياسيون لاحقًا.

واليوم، وبينما تتصاعد العمليات العسكرية في كردفان ودارفور، ويتكرر مشهد سقوط المدن واستعادتها، يعود السؤال ذاته هل يمثل التصعيد العسكري الحالي مقدمة لتسوية سياسية، أم بداية مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف، أم أنه محاولة أخيرة للوصول إلى حسم عسكري؟

 

الموقف العملياتي… سباق مع الزمن

 

تشهد الجبهات الغربية تطورات متسارعة، خاصة في شمال كردفان وولايات دارفور، حيث أصبحت مدن ومحاور استراتيجية مسرحًا لعمليات هجومية ودفاعية متبادلة. وتتبدل خرائط السيطرة بصورة متسارعة، في مشهد يعكس إدراك الطرفين لأهمية المرحلة الراهنة.

ويبدو أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يسعيان إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بحيث تصبح خريطة السيطرة الحالية نقطة الانطلاق لأي ترتيبات سياسية مستقبلية. ولذلك لم تعد المعركة مجرد صراع على مدينة أو طريق، وإنما أصبحت صراعًا على الخريطة التي قد تُعرض على طاولة التفاوض إذا انطلقت عملية سياسية جديدة.

 

الأبيض… المدينة التي سبقت المعركة

 

خلال الأسابيع الأخيرة، تزايدت التحذيرات والقراءات التي تحدثت عن احتمال سقوط مدينة الأبيض أو تعرضها لضغوط عسكرية كبيرة، باعتبارها تمثل مركز الثقل في شمال كردفان وعقدة المواصلات التي تربط غرب السودان بوسطه.

غير أن تطورات الميدان أظهرت أن المعركة تجاوزت مجرد السيطرة على مدينة بعينها، لتتحول إلى صراع على مجمل إقليم كردفان، بما يحمله من أهمية عسكرية ولوجستية وسياسية. ومن هنا يمكن فهم احتدام القتال باعتباره محاولة من كل طرف لمنع خصمه من امتلاك ورقة استراتيجية قد تعيد تشكيل ميزان القوى.

 

الرؤية الأمريكية… هدنة أم إعادة تموضع؟

 

في الوقت الذي تتصاعد فيه العمليات العسكرية، تتحرك الولايات المتحدة عبر مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإحياء مسار تفاوضي جديد، يقوم على هدنة إنسانية تمهد لعملية سياسية أوسع.

وتقوم الرؤية الأمريكية، بحسب ما تم تداوله، على وقف مؤقت لإطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والانتقال تدريجيًا إلى مناقشة الترتيبات الأمنية والسياسية. وفي المقابل، تتمسك الحكومة السودانية بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن، بينما ترى الأخيرة أن أي ترتيبات مستقبلية ينبغي أن تراعي الوقائع العسكرية التي فرضتها على الأرض.

وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين الميدان والسياسة. فكل كيلومتر يسيطر عليه أي طرف اليوم قد يتحول غدًا إلى بند تفاوضي، أو ورقة ضغط، أو نقطة خلاف. ولهذا تبدو شراسة المعارك الحالية مفهومة في سياق التنافس على رسم حدود النفوذ قبل تثبيت أي وقف لإطلاق النار.

 

ملف الأسرى… رسائل تتجاوز البعد الإنساني

 

وفي خضم هذا التصعيد، برز تطور لا يقل أهمية عن المعارك نفسها، تمثل في تحريك ملف الأسرى والمحتجزين والمفقودين.

فقد أعلنت الأمم المتحدة عن خطة لتبادل الأسرى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وأعلنت الحكومة السودانية موافقتها على المضي في هذا المسار، كما وجّهت لجنة سيادية مختصة نداءً إلى المواطنين للإبلاغ عن المحتجزين والمفقودين خلال فترة زمنية محددة لدى أقسام الشرطة والنيابات، تمهيدًا لإعداد قاعدة بيانات شاملة.

من الناحية الإنسانية، تمثل هذه الخطوة بارقة أمل لآلاف الأسر التي تنتظر معرفة مصير أبنائها. لكن من الناحية السياسية، تحمل الخطوة دلالات أعمق؛ إذ إن ملف الأسرى غالبًا ما يكون من أول الملفات التي تتحرك عندما تبدأ قنوات الاتصال غير المباشر بين أطراف النزاع، حتى وإن لم تُعلن مفاوضات رسمية بعد.

ولا يعني ذلك أن السلام أصبح وشيكًا، لكنه يشير إلى أن هناك مسارات موازية بدأت تتحرك، تبدأ بالإجراءات الإنسانية وبناء الثقة، ثم قد تتطور لاحقًا إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار، إذا توفرت الإرادة السياسية والظروف العسكرية المناسبة.

ولعل اللافت أن تحريك ملف الأسرى جاء في توقيت تتصاعد فيه العمليات العسكرية، وهو أمر لا يبدو متناقضًا بقدر ما يعكس نمطًا عرفته نزاعات عديدة، حيث تتسابق المعارك مع الدبلوماسية، ويحاول كل طرف تحسين موقعه العسكري بينما تتحرك في الخلفية ترتيبات إنسانية قد تمهد لمسار سياسي لاحق.

 

ثلاثة احتمالات

المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول يتمثل في نجاح أحد الطرفين في تحقيق تحول ميداني كبير يفرض شروطًا جديدة ويقرب فكرة الحسم العسكري، ولو على مستوى بعض الجبهات.

أما السيناريو الثاني، فهو استمرار حالة الكر والفر دون قدرة أي طرف على تحقيق اختراق حاسم، وهو ما يعني دخول الحرب مرحلة أطول من الاستنزاف، بما تحمله من كلفة إنسانية واقتصادية وسياسية متزايدة.

ويبقى السيناريو الثالث هو أن يقود التصعيد العسكري نفسه إلى تهيئة الظروف لمفاوضات جديدة، بعدما يقتنع الطرفان، أو الأطراف الداعمة لهما، بأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من تكلفة التسوية.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

قد لا يعيد التاريخ نفسه بالحرف، لكنه كثيرًا ما يعيد أنماطه.

فما سبق نيفاشا، وما سبق أبوجا، يذكرنا بأن الميدان كان دائمًا يسبق السياسة بخطوة، وأن المعارك الأخيرة قبل التفاوض كانت غالبًا الأكثر شراسة، لأن كل طرف كان يريد أن يجلس إلى الطاولة وهو في موقع أقوى.

لكن المشهد السوداني اليوم أكثر تعقيدًا من أي مرحلة سابقة، بسبب اتساع رقعة الحرب، وتعدد الفاعلين، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، فضلًا عن حجم الكارثة الإنسانية التي تجعل أي تأخير في الوصول إلى تسوية أكثر كلفة على السودان والسودانيين.

إن اجتماع ثلاثة مؤشرات في توقيت واحد؛ احتدام المعارك، وتصاعد الحراك الدبلوماسي، وتحريك ملف الأسرى والمحتجزين، لا يكفي وحده للجزم بأن المفاوضات أصبحت وشيكة، لكنه يكفي للقول إن الحرب دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها حسابات الميدان مع رهانات السياسة.

ويبقى السؤال مفتوحًا

هل تكون معارك كردفان ودارفور آخر معارك ما قبل التفاوض، أم أول معارك مرحلة جديدة من الحرب؟

إن الإجابة لن تصنعها البنادق وحدها، ولن تفرضها طاولات التفاوض وحدها، وإنما ستتشكل عند النقطة التي يقتنع فيها المتحاربون، ومن يقف خلفهم، بأن ما عجزت الحرب عن تحقيقه خلال أكثر من ثلاثة أعوام، قد لا تحققه أعوام أخرى من القتال. عندها فقط، قد تسبق السياسة صوت المدافع، بدلًا من أن تلهث خلفه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى