
سباق الغنائم
اسماعيل شريف
لم تنتهِ الحرب بعد، ولم يجف دم الشهداء، ولم يعد ملايين النازحين إلى ديارهم، ومع ذلك بدأت في الأفق معركة من نوع آخر؛ معركة لا تُخاض بالسلاح، وإنما بالأقلام، والرسائل السياسية، ومحاولات إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في السودان.
ما يُنشر هذه الأيام لا يبدو مجرد نقاش حول الاستثمار أو تشجيع القطاع الخاص، بل يحمل في طياته ملامح حملة لفرز رجال الأعمال إلى معسكرات، ومنح صكوك البراءة لهذا، وسحبها من ذاك، وكأن البلاد تستعد لولادة طبقة اقتصادية جديدة تُبنى على معيار الولاء أكثر مما تُبنى على معيار الكفاءة والإنتاج.
المؤسف أن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان أخطاء الماضي التي دفع السودان ثمنها باهظًا. فما أسقط الاقتصادات ليس وجود رجال أعمال أقوياء، وإنما تحول الدولة إلى طرف يختار الفائزين والخاسرين، ويوزع الامتيازات وفق القرب من دوائر القرار، لا وفق قواعد المنافسة العادلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن تتحول تضحيات الحرب إلى بوابة لتمكين اقتصادي جديد، يستبدل أسماء بأسماء، ويغير الوجوه دون أن يغير القواعد. فالثورات والحروب لا تُقاس بما تطيح به من أشخاص، وإنما بما تؤسسه من مؤسسات وقوانين تمنع إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
ولعل في غزوة أحد أعظم العبر؛ فما إن انشغل بعض الرماة بالغنائم قبل اكتمال المعركة حتى انكشفت الثغرة، وتغيرت النتائج. والتاريخ لا يكرر نفسه بالحرف، لكنه يكرر دروسه لمن لا يعتبر.
السودان اليوم لا يحتاج إلى سباق على الغنائم، بل إلى سباق على بناء الدولة. ولا يحتاج إلى توزيع شهادات الوطنية على المستثمرين، بل إلى مؤسسات مستقلة تجعل الجميع سواء أمام القانون. أما إذا بدأت معركة اقتسام النفوذ قبل أن تنتهي معركة إنقاذ الوطن، فإن الخاسر لن يكون رجل أعمال أو مسؤولًا بعينه، بل سيكون السودان كله.











