الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : التعليم السوداني في مصر… بين البقاء وإعادة التشكيل

خرطوم سبورت

 

التعليم السوداني في مصر… بين البقاء وإعادة التشكيل

 

اسماعيل شريف

 

لم يعد السؤال اليوم هل يستطيع التعليم السوداني في مصر أن يستمر؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية بأي صورة سيستمر؟

 

فالظروف التي أفرزت التوسع الكبير للمدارس السودانية في مصر خلال السنوات الأولى من الحرب لم تعد كما كانت. فمع تحسن الأوضاع الأمنية في بعض الولايات السودانية، بدأت آلاف الأسر في العودة إلى البلاد، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أعداد الطلاب. وفي الوقت نفسه، فقدت المدارس نسبة معتبرة من كوادرها التعليمية والإدارية التي عادت هي الأخرى إلى السودان للمشاركة في إعادة تشغيل المؤسسات التعليمية هناك.

 

وتأتي هذه المتغيرات بالتزامن مع تشديد الإجراءات المنظمة للنشاط التعليمي السوداني في مصر، وما شهدته بعض المحافظات، وعلى رأسها أسوان والإسكندرية، من إغلاق أو توقف عدد من المدارس، الأمر الذي فرض واقعاً جديداً يستدعي إعادة التفكير في نموذج العمل بأكمله.

 

لقد بُنيت معظم المدارس السودانية في مصر على افتراض استمرار الطلب المرتفع على التعليم، لكن هذا الافتراض بدأ يتغير. ومع انخفاض أعداد الطلاب وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح معادلة الاستمرار أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الرسوم الدراسية.

 

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة توسع، وإنما مرحلة إعادة تشكيل للخريطة التعليمية السودانية في مصر.

 

ومن المرجح أن نشهد اندماج بعض المدارس في كيانات أكبر، أو إقامة شراكات إدارية وأكاديمية بينها، بما يسمح بتقليل النفقات، والاستفادة المشتركة من الكوادر، ورفع جودة الخدمات التعليمية. وقد يصبح من الطبيعي أن تتشارك عدة مؤسسات في مبنى واحد، أو في هيئة تدريس واحدة، أو حتى في إدارة موحدة، مع احتفاظ كل مؤسسة بهويتها الخاصة.

 

كما أن التحول نحو التعليم الهجين، الذي يجمع بين الدراسة الحضورية والتعليم الإلكتروني، قد يوفر حلاً عملياً لمشكلة نقص المعلمين، ويتيح الاستفادة من الكفاءات الموجودة داخل السودان أو خارجه دون الحاجة إلى انتقالها الكامل.

 

وفي المقابل، فإن استمرار كل مدرسة في العمل بمعزل عن الأخرى قد يؤدي إلى منافسة تستنزف الجميع، خاصة إذا تقلصت أعداد الطلاب بصورة أكبر خلال الأعوام المقبلة.

 

ولعل الوقت قد حان للانتقال من مفهوم المدرسة المنفردة إلى مفهوم المؤسسة التعليمية، التي تضم خدمات تعليمية متعددة، وفروعاً مختلفة، ومنصات رقمية، ومراكز تدريب، بما يضمن تنوع مصادر الدخل وزيادة القدرة على التكيف مع المتغيرات.

 

إن مستقبل التعليم السوداني في مصر لن يتحدد فقط بعدد المدارس التي ستبقى، وإنما بقدرتها على تطوير نماذج جديدة للإدارة والتعاون والاستدامة.

 

وربما تكشف السنوات القادمة أن الاندماج لم يكن خياراً اضطرارياً، بل كان بداية لمرحلة أكثر نضجاً وتنظيماً، تنتقل فيها المؤسسات التعليمية السودانية من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن المنافسة إلى التكامل، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى