الاخبار

سارة الطيب تكتب :السودان لن يبنيه الكسالى

خرطوم سبورت

 

 

سارة الطيب تكتب :السودان لن يبنيه الكسالى..

قد تغضب من العنوان.
وربما تغلق المقال من سطره الأول.
لكن قبل أن تغضب، اسأل نفسك: هل نريد أن نجامل أنفسنا، أم نريد أن نبني وطناً؟
الحرب لم تدمر المباني فقط، بل كشفت عيوباً كنا نؤجل الاعتراف بها. ومن أخطر هذه العيوب تراجع قيمة العمل في وجدان قطاع من مجتمعنا، حتى أصبح الانتظار، والاتكال، وإهدار الوقت، أسلوب حياة عند كثيرين.
يكفي أن تتجول في بعض مدن اللجوء لترى المشهد الذي يتكرر كل يوم. مجموعات من الشباب يجلسون لساعات طويلة في المقاهي أو على الأرصفة، من الظهيرة حتى الفجر. أحاديث لا تنتهي، ونقاشات في السياسة والرياضة والحرب، بينما يمر يوم كامل دون خطوة واحدة نحو تعلم مهارة، أو البحث عن عمل، أو بناء مشروع، أو حتى تطوير الذات.
قد يقول قائل: “لا توجد فرص.”
حقاً؟
إذن لماذا نجد لاجئين من جنسيات أخرى يعملون في كل شيء؟ لماذا يقبلون الأعمال البسيطة ثم ينتقلون إلى الأفضل؟ لماذا يتعلمون اللغة، ويكتسبون المهارات، ويغيرون أوضاعهم عاماً بعد عام؟
الفرق ليس أن الحياة كانت أرحم بهم، بل أن ثقافة العمل عندهم أقوى من ثقافة الانتظار.
المؤلم أن بعضنا أصبح ينتظر حوالة من الأسرة، أو مساعدة من منظمة، أو معجزة تغير حياته، بينما الأمم لا تبنى بالانتظار، وإنما تبنى بالعرق.
الأخطر من ذلك أننا بدأنا نحتقر العمل الشاق، ونبحث عن الطريق الأقصر إلى المال.
انظر إلى ما يحدث في الفضاء الرقمي. آلاف الشباب يطاردون الشهرة السريعة، وبعضهم مستعد للتخلي عن الذوق والقيم والمهنية مقابل بضعة مشاهدات أو أرباح عاجلة. حتى في الإعلام، الذي يفترض أن يقود الوعي، انتشرت لدى البعض ثقافة النسخ واللصق، والاكتفاء بإعادة تدوير المحتوى، بدل البحث والتحليل وصناعة المعرفة.
إنها ليست أزمة منصة، بل أزمة عقلية.
عقلية تريد النتائج دون جهد.
والنجاح دون تعب.
والمال دون إنتاج.
لكن السؤال الأكبر ليس عن اليوم، بل عن الغد.
من سيعيد إعمار السودان؟
هل ستعود المدن إلى الحياة بالخطب؟
هل ستبنى الجسور بالمنشورات؟
هل ستنهض المصانع بالأمنيات؟
إعادة الإعمار لن تحتاج إلى الإسمنت والحديد فقط، بل إلى ملايين ساعات العمل المنضبط. ستحتاج إلى العامل، والنجار، والحداد، والمهندس، والطبيب، والمعلم، والمزارع، والإعلامي، ورائد الأعمال. ستحتاج إلى شعب يؤمن بأن قيمة الإنسان فيما ينتج، لا فيما يقول.
إذا لم نغيّر علاقتنا بالعمل، فسنجد أنفسنا أمام مفارقة قاسية: وطن يملك من الموارد ما يكفي ليكون من أغنى دول المنطقة، لكنه ينتظر الآخرين ليأتوا ويبنون ويستثمروا ويصنعوا الثروة، بينما يكتفي أبناؤه بالمشاهدة.
عندها لن تكون المشكلة أن الأجانب يعملون في السودان، بل أننا تركنا لهم المساحة لأننا لم ننافس، ولم نستعد، ولم نغيّر أنفسنا.
لن تنهض أي دولة إذا أصبحت ساعات السمر أطول من ساعات الإنتاج، وإذا أصبح الحديث عن النجاح أكثر من السعي إليه.
لقد منحت الحرب ملايين السودانيين فرصة لم يشاؤوا أن تكون فرصة: أن يروا بأعينهم كيف تعمل الشعوب. رأوا من يبدأ يومه قبل شروق الشمس، ومن يعمل وظيفتين أو ثلاثاً ليؤمن مستقبل أسرته، ومن يحول أصعب الظروف إلى بداية جديدة. والسؤال الآن: هل تعلمنا شيئاً من هذه التجربة، أم سنعود بالعادات نفسها التي جعلتنا نستهلك الوقت أكثر مما نستثمره؟
هذه ليست دعوة لجلد الذات، ولا إنكاراً لوجود آلاف السودانيين المجتهدين الذين يشرفون بلادهم في الداخل والخارج. لكنها دعوة لأن تصبح هذه النماذج هي القاعدة لا الاستثناء.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب.
ولا إلى مزيد من الأعذار.
السودان يحتاج إلى ثورة في أخلاقيات العمل.
ثورة تجعل احترام الوقت ثقافة.
والإتقان قيمة.
والإنتاج معياراً للنجاح.
لأن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن الدول لا يعيد إعمارها الحالمون وحدهم… وإنما يبنيها الذين يستيقظون كل صباح ليعملوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى