
محمد عبدالقادر يكتب:الخرطوم .. “تغيير الوالي” أم “طريقة التفكير”؟!!
لن تتبدّل الأوضاع في الخرطوم مالم تتغيّر العقلية التي نفكر بها في الحلول..
مخطئ من يظن أن تغيير الوالي أحمد عثمان حمزة أو حكومة الولاية برمّتها سيحيل العاصمة إلى جنة خضراء وارفة الظلال ورخية المعيشة .. متوفرة الخدمات من كهرباء ومياه وصحة وتعليم..
للأسف مازلنا نتعامل بعقلية ماقبل الحرب ، اهتبال السوانح والظروف لاستهداف القيادات وتصفية الحسابات وممارسة الانتهازية البغيضة التى تحاول إقصاء (فلان) والإتيان بـ(علان) ليواجه نفس العقبات ونحن نمارس تغيير الاشخاص ونهمل الأسباب الجوهرية التي أدت لفشل سلفه..
مناسبة هذه الرمية كما يقول أستاذنا وجاري على هذه الصفحة الدكتور عبداللطيف البوني مرور عام على مقال كتبته عن الخرطوم سارت به الركبان ومازال صداه يتردّد في الأرجاء تعرّضت فيه لهجوم شديد ملخصه إن الخرطوم التي رأيتها في ذلك الوقت وبعد حوالي شهرين من تحريرها لاتصلح للسكن أو الحياة الآدمية لأنها تحولت إلى ركام ومدينة أشباح يسكنها الخراب ويستوطنها الظلام وتنعدم فيها أسباب الحياة كافة..
مرت الأيام وثبت للجميع أنني كنت محقاً حينما نبهت إلى خطورة الوضع الذي تعيشه العاصمة، وأن وجودي ضمن المعسكر الداعم للجيش والدولة مع تعالي أصوات العودة الطوعية آنذاك لم يمنعن من الجهر بالحقيقة التي نعايش تفاصيلها المرة الآن غلاءً في الأسعار وظلاماً فى الطرقات وغياباً للخدمات وكثير من الظروف التي تهدّد برامج العودة الطوعية والإعمار..
كان يقيني أن الأوضاع الهشة التى رأيتها لن تحتمل عودة المواطنين الذين سيشكلون لا محالة ضغطاً على الخدمات المنهارة على قلتها، وهو ما يحدث الآن ،عودة متزايدة يقابلها ضعف في شتى مناحي الحياة جعل من العيش في العاصمة جحيماً لايطاق..
في اعتراف متصالح مع الحقائق على الواقع أبلغنا رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس حينما جلسنا إليه قبل أكثر من ثلاثة أشهر أن خطوات عودة المواطنين كانت أسرع من إجراءات وتدابير الحكومة في العاصمة الأمر الذي أوجد المعاناة التى يعايشها الناس الآن..
كانت رؤيتي حينما كتبت مقالي قبل عام من الآن وكسباً للوقت الذى يمضي أن الخرطوم وباعتبارها مركز الثقل السكاني والعاصمة السيادية والسياسية ونقطة الجذب التي تخلق توازن الاقتصاد السوداني يلزمها أن تكون ” ملفاً قومياً” إن كنّا جادين فى إعمارها وبعثها من جديد، فواقع الدمار والخراب الذى حدث فيها أكبر من طاقة ” حكومة ولاية” ذات موارد محدودة كادت تنضب بسبب الحرب، وأنه من الصعب جداً على واليها أحمد عثمان حمزة ( الذى خبره الناس فى عسرة الحرب) أو غيره أن يتصدّى منفرداً لملفات مثل الإعمار والخدمات والأمن إلى جانب توليه الصرف والمسؤولية عن ملفات أخرى..
ما أشرت اليه كان عين مافعله الفريق أول عبدالفتاح البرهان وهو يصدر قراراً فى يوليو 2025، بتشكيل “اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة مواطني ولاية الخرطوم” برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر، بهدف إعمار وتأهيل العاصمة وترتيب عودة المواطنين والخدمات.
قومية هذه اللجنة وتبعيتها لمجلس السيادة ومنح رئاستها لجنرال برتبة وثفطقل الفريق جابر منحها صلاحيات واسعة وإمكانيات كبيرة للتحرّك وملء مساحات عديدة بما مكنها من تحقيق طفرة خلال “6” أشهر نقلت الأوضاع إلى مربع جديد.. غير أن اللجنة وفي قمة عطائها تم حلها ومنح صلاحياتها لمجلس الوزراء الذى يقاتل كذلك في جبهات عديدة..
نحتاج فى هذه المرحلة إلى إحياء قومية اللجنة وتعزيز قناعة الدولة باعتماد مبدأ النفير القومي لتحسين الأوضاع في الخرطوم وفق نهج يعين الوالي وحكومته بدلاً عن التشكيك في كفاءتهم والدعوة لإقالتهم لأننا بذلك لم نخاطب أسباب الفشل أو نستصحب أنه في ظل ترك الخرطوم تقاتل بمفردها بعيداً عن الظل الاتحادي فإنها لن تحقق أي تقدم في العودة للحياة وإنجاح برامج الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية..
انتقاد الوالي أو حكومته برمتها ربما حقق أجندة البعض وشفا غليلهم لكنه لن ينهي أزمات المواطن ولن يعيد الخرطوم إلى الحياة من جديد ” ضاحكة مبتسمة وعنيدة”..
مازلنا نترجى الفريق أول البرهان رئيس مجلس السيادة والدكتور كامل إدريس لتفعيل عمل لجنة تهيئة الخرطوم ، وتكوين أجسام بومية تمكن السودانيين جميعاً من الإسهام في إعادة الخرطوم التي آوت الجميع قبل الحرب ومازالت تفعل دون أن تسأل الناس عن انتماءاتهم الجغرافية أو سحناتهم وأعراقهم…
اعيدوا نشاط لجنة تهيئة البيئة في الخرطوم وتعاملوا مع إعمار العاصمة ك”ملف اتحادي وهم قومي” وأرفعوا أيديكم عن الوالي أحمد عثمان حمزة لأن أداءه المعلوم ” لافيهو شق لاطق” .. والمطالبة بتغييره مهملين الأسباب الحقيقية لتدهور الأوضاع في الخرطوم يشبه نهج “البصيرة أم حمد” وهي تقطع رأس الثور وتكسر البرمة في آن واحد..











