الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : محاولة إعادة تركيب الخريطة السياسية السودانية

خرطوم سبورت

 

محاولة إعادة تركيب الخريطة السياسية السودانية

إسماعيل شريف

في المقال الأول من هذه السلسلة حاولنا أن نفكك عناصر الصراع في السودان، وأن نخرج من الصورة المبسطة التي تختزل الحرب في طرفين: القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

اكتشفنا أن خلف البندقية طبقات من القوى: حركات مسلحة، أحزاب سياسية، تيارات أيديولوجية، قوى ثورية ومدنية، إدارات أهلية، طرق صوفية، مجتمعات محلية، شباب ونساء، مثقفون وإعلاميون، وشبكات مصالح اقتصادية، فضلًا عن التأثير الإقليمي والدولي.

لكن التفكيك وحده لا يكفي. فإذا كان السودان بهذه الكثرة من القوى والأسماء، فالسؤال التالي يصبح أكثر صعوبة:من يتشابه مع من؟ وهل كل اسم يمثل مشروعًا مختلفًا؟ أم أن كثرة الأسماء تخفي عددًا محدودًا من المشاريع الكبرى التي تتنافس على مستقبل السودان؟

هذه هي الخطوة الثانية في محاولة إعادة تركيب الخريطة.

لننسَ الأسماء قليلًا

لنضع، مؤقتًا، أسماء الأحزاب والحركات والجيوش جانبًا. ولنفترض أننا طلبنا من كل القوى السودانية، بلا استثناء، الإجابة عن سؤال واحد: أي سودان تريدون بعد انتهاء الحرب؟ ليس: من معكم؟ وليس: من ضدكم وليس: من يمولكم؟ بل: كيف تريدون أن تكون الدولة؟ ومن يحكمها؟ وكيف توزع السلطة والثروة والسلاح؟ وما علاقة المركز بالأقاليم؟ وما موقع الدين؟ وما دور الجيش؟ ومن يملك حق صياغة الدستور؟ عندها سنكتشف أن الخريطة ربما تكون أقل ازدحامًا مما تبدو.

فالأسماء كثيرة، لكن المشاريع الكبرى أقل.

المشروع الأول: دولة مركزية قوية

هناك تيار واسع، وإن اختلفت مكوناته، ينطلق من فكرة أساسية: السودان يحتاج إلى دولة مركزية قوية تحفظ وحدة البلاد وتفرض القانون وتمنع تفككها. داخل هذا التصور يمكن أن نجد عسكريين ومدنيين، وإسلاميين وغير إسلاميين، وحركات مسلحة قد تختلف مع المركز في تفاصيل كثيرة لكنها لا تريد انهيار الدولة. المشكلة هنا أن عبارة «الدولة القوية» يمكن أن تعني أشياء مختلفة تمامًا. فهل المقصود دولة مؤسسات؟ أم دولة تهيمن عليها المؤسسة العسكرية أم دولة مركزية تفرض سلطتها على الأقاليم؟ وهنا يبدأ الاختلاف الحقيقي. فقد يتفق شخصان على ضرورة بقاء السودان موحدًا، لكن أحدهما يريد جيشًا محترفًا تحت سلطة مدنية، بينما يريد الآخر مؤسسة عسكرية ذات دور سياسي مباشر.

التشابه في الشعار لا يعني التطابق في المشروع.

المشروع الثاني: الدولة المدنية الديمقراطية

في المقابل هناك قوى ترى أن أصل الأزمة السودانية هو استمرار تدخل المؤسسة العسكرية والأجهزة المسلحة في السياسة، وأن الحل يبدأ بإقامة دولة مدنية ديمقراطية. لكن حتى هذه المجموعة ليست كتلة واحدة. فالقوى المدنية التقليدية، والأحزاب الحديثة، واليسار، وبعض القوى الثورية، ولجان المقاومة، والنقابات، والمستقلين، قد تلتقي حول «مدنية الدولة»، لكنها تختلف في معنى الديمقراطية، وفي شكل الاقتصاد، وفي علاقة المركز بالأقاليم، وفي أدوات الانتقال. وهنا نجد مفارقة مهمة: قد يكون شخصان ضد الحكم العسكري، لكنهما لا يتفقان على شكل السودان الذي سيأتي بعد الحكم العسكري. وهذا يعني أن «المدنية» نقطة التقاء، وليست بالضرورة مشروعًا سياسيًا مكتملًا.

المشروع الثالث: السودان الفيدرالي أو اللامركزي

ثم نصل إلى مشروع آخر أكثر ارتباطًا بسؤال المركز والهامش. هذا المشروع ينطلق من أن الدولة السودانية التاريخية فشلت في توزيع السلطة والثروة والخدمات بصورة عادلة، وأن إعادة إنتاج المركز القديم لن تنتج سلامًا دائمًا. هنا تبرز أفكار الفيدرالية، والحكم الإقليمي، وتقاسم السلطة والثروة، وضمانات الأقاليم والمجتمعات المحلية. وهذا المجال يمكن أن يجمع، في بعض القضايا، بين حركات مسلحة وقوى مدنية وشخصيات من أقاليم مختلفة. لكن مرة أخرى، لا يعني الاتفاق على الفيدرالية الاتفاق على كل شيء. فالسؤال الحاسم هو: أي فيدرالية؟ هل هي فيدرالية إدارية؟ أم سياسية؟ أم نظام يمنح الأقاليم سلطات واسعة على مواردها؟ وأين تقف مسألة السلاح؟ وهل تتحول الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية، أم تصبح جزءًا من منظومة أمنية إقليمية؟ هذه الأسئلة تجعل المشروع الفيدرالي نفسه متعدد الطبقات.

المشروع الرابع: الدولة ذات المرجعية الإسلامية

الإسلاميون بدورهم لا يمكن اختزالهم في اسم حزب أو جماعة واحدة. لكن هناك مساحة فكرية وسياسية تؤمن بأن الإسلام يجب أن يكون حاضرًا بصورة أساسية في تعريف الدولة والمجتمع والقانون. غير أن الخلاف داخل هذا التيار لا يقل أهمية عن خلافه مع خصومه. فما شكل الدولة الإسلامية التي يتصورها هؤلاء؟ وهل هي دولة حزبية؟ أم دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية؟ وهل الديمقراطية مقبولة بوصفها آلية للحكم؟ وكيف تكون علاقة الحركة الإسلامية بالمؤسسة العسكرية؟ وهل يمكن فصل الانتماء الفكري الإسلامي عن التجربة السياسية التي حكمت السودان لثلاثة عقود؟ لذلك فإن وضع «الإسلاميين» جميعًا في مشروع واحد قد يكون خطأ منهجيًا. لكن الخطأ الأكبر هو تجاهل وجود هذا المشروع وتأثيره في السياسة السودانية.

المشروع الخامس: دولة الثورة والتغيير الاجتماعي

هناك مشروع آخر ولد بصورة أكثر وضوحًا مع ثورة ديسمبر وما أنتجته من لجان مقاومة وتجمعات مهنية ونقابية وشبابية وقوى مدنية. هذا المشروع لا يكتفي بتغيير الحكومة. إنه يطرح سؤالًا أعمق: كيف نغير طريقة إنتاج السلطة نفسها؟ ومن هنا جاءت شعارات تفكيك بنية الدولة القديمة، واستقلال المؤسسات، وإعادة بناء الجيش، وتحقيق العدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتوسيع المشاركة الشعبية. لكن هذا المشروع واجه مشكلة أساسية: لقد كان قويًا في لحظة الثورة، لكنه لم يتحول بصورة مكتملة إلى بنية سياسية موحدة قادرة على إدارة الدولة. فتعددت الرؤى، واختلفت القوى، وتباينت المواقف من التسويات، ثم جاءت الحرب لتدفع كثيرًا من هذه القوى إلى مواقع أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن الفكرة الأساسية لم تختف: أن السودان لا يحتاج فقط إلى تغيير الحاكم، بل إلى تغيير قواعد اللعبة.

وماذا عن الأحزاب التقليدية؟

هنا نصل إلى الأمة والاتحادي وغيرهما. إذا حذفنا الأسماء، ماذا يبقى يبقى مشروع سياسي تاريخي قائم على المجتمع والانتخابات والرمزية الدينية والاجتماعية، وعلى فكرة الدولة الوطنية والتداول السياسي. لكن هذا المشروع يحمل داخله تناقضًا كبيرًا: فالأحزاب التقليدية تمتلك عمقًا اجتماعيًا وتاريخيًا لا تستطيع القوى الحديثة تجاهله، لكنها تعاني في الوقت نفسه من الانقسامات، والقيادات التاريخية، وتراجع القدرة على تجديد أدواتها. ولهذا قد نجد تقاطعًا بين حزب تقليدي وقوة مدنية حديثة في مسألة الديمقراطية، بينما يختلفان في بنية التنظيم ومفهوم القيادة وعلاقة الحزب بالمجتمع. إذن: التاريخ المشترك لا يعني المشروع المشترك.

الشيوعيون واليسار… مشروع آخر؟

الحزب الشيوعي والتيارات اليسارية تطرح بدورها قراءة مختلفة للدولة والمجتمع والاقتصاد. وهي لا ترى الحرب مجرد صراع على السلطة بين قائدين، بل نتيجة لتراكمات مرتبطة ببنية الدولة والاقتصاد وتوزيع الثروة وعلاقة المركز بالأطراف. وهنا تظهر نقطة يمكن أن تلتقي فيها بعض القوى اليسارية مع حركات مطلبية وإقليمية، رغم اختلافها الأيديولوجي. فالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة قد تكون نقطة التقاء بين تيارات لا تتشابه في رؤيتها الكاملة للدولة. وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة: لا نبحث فقط عن التشابه بين التنظيمات؛ نبحث عن التشابه بين الأفكار.

الجيش والحركات المسلحة… أين يلتقيان وأين يفترقان؟

ربما يكون هذا هو الاختبار الأكثر تعقيدًا. قد يقاتل الجيش وحركة مسلحة في الخندق نفسه. لكن ماذا يحدث في اليوم التالي للحرب؟ هل تتفق الحركة مع الجيش حول شكل المؤسسة العسكرية؟ هل تقبل بجيش واحد؟ هل تريد ترتيبات أمنية خاصة لإقليمها؟ هل تقبل بإعادة توزيع السلطة؟ وهل ترى أن المركز يجب أن يحتفظ بالنفوذ نفسه؟ إذن قد يكون هناك تحالف عسكري دون اندماج سياسي. وهذه قاعدة يجب ألا نغفلها ونحن نقرأ تحالفات الحرب. فالتحالف في الحرب قد يكون مؤقتًا، بينما المشروع السياسي طويل الأمد.

والدعم السريع وحلفاؤه؟

الأمر نفسه ينطبق على الجانب الآخر. فوجود الدعم السريع في تحالف سياسي وعسكري مع قوى أخرى لا يعني بالضرورة أن الجميع يتبنى المشروع نفسه. هناك من ينطلق من مطلب إعادة بناء الدولة. وهناك من يرى في الحرب فرصة لإعادة توزيع السلطة بين المركز والأقاليم. وهناك من يعارض الإسلاميين. وهناك من يرفض عودة النظام القديم. وهناك من يرى أن المؤسسة العسكرية نفسها تحتاج إلى إعادة تأسيس. هذه الأهداف قد تتقاطع في لحظة، لكنها قد تتصادم في لحظة أخرى. ولهذا فإن السؤال ليس: من مع الدعم السريع؟ ولا: من مع الجيش؟ بل: لماذا يقف هذا الطرف هنا اليوم، وأين يمكن أن يقف غدًا؟

المجتمع… المشروع الذي لا يحمل اسمًا

وهنا ربما نصل إلى أكثر المشاريع غموضًا وأهمية. السوداني الذي لا ينتمي إلى حزب. المرأة التي تريد عودة أطفالها إلى المدرسة. النازح الذي يريد العودة إلى قريته والمزارع الذي يريد أرضه. التاجر الذي يريد سوقًا آمنًا. الطبيب الذي يريد مستشفى يعمل. المعلم الذي يريد راتبًا منتظمًا. الشاب الذي يريد وظيفة ومستقبلًا. هذه ليست أحزابًا. لكنها تمثل المصلحة الاجتماعية الكبرى. وقد تكون هذه المصلحة، في النهاية، أكثر أهمية من كل المشاريع النخبوية. فإذا لم يجد أي مشروع سياسي طريقة للإجابة عن سؤال الحياة اليومية للسوداني، فلن يستطيع أن يتحول إلى مشروع دولة مهما كانت قوة شعاراته.

إذن… من يتشابه مع من؟

بعد إزالة الأسماء، يمكن أن نرى بعض خطوط التقاطع: هناك من يتفق على وحدة السودان. وهناك من يتفق على مدنية الدولة. وهناك من يتفق على إعادة توزيع السلطة والثروة. وهناك من يتفق على الفيدرالية أو اللامركزية. وهناك من يتفق على إعادة بناء المؤسسة العسكرية. وهناك من يتفق على العدالة الانتقالية والمحاسبة. وهناك من يريد حضورًا إسلاميًا في الدولة. وهناك من يريد دولة علمانية أو محايدة دينيًا. وهناك من يريد اقتصادًا أكثر عدالة وتدخلًا اجتماعيًا للدولة. وهناك من يريد اقتصاد السوق ودولة المؤسسات. وبين هذه المشاريع توجد مناطق واسعة من التقاطع، ومناطق أخرى يصعب فيها التوفيق.

لكن الخطر في الدمج…

الخطأ الذي يجب أن نتجنبه هو محاولة جمع كل القوى التي تتفق في نقطة واحدة داخل معسكر واحد. فمن يتفق معك على مدنية الدولة ليس بالضرورة شريكًا في رؤيتك الاقتصادية. ومن يتفق معك على الفيدرالية قد يختلف معك حول السلاح. ومن يتفق معك على وحدة السودان قد يختلف معك حول شكل الحكم. ومن يرفض الإسلام السياسي قد لا يتفق معك في الاقتصاد. ومن يرفض الحكم العسكري قد لا يقبل مشروعك الثوري. ولهذا فإن التشابه ليس اندماجًا. والتقاطع ليس تحالفًا. والتحالف ليس وحدة. وهذه ربما تكون أهم قاعدة في إعادة تركيب الخريطة السودانية.

السودان أمام مشاريع لا أمام معسكرين

بعد هذه المحاولة يمكن أن نعود إلى السؤال الأول. هل السودان أمام حرب بين جيش ودعم سريع فقط؟ لا. وهل هو أمام عشرات المشاريع المستقلة تمامًا؟ أيضًا لا. الأقرب إلى الحقيقة أن السودان أمام عدد محدود من المشاريع الكبرى، تتداخل حولها عشرات التنظيمات والحركات والشخصيات والمصالح. وهذا يفسر لماذا تتغير التحالفات، ولماذا ينقسم الحلفاء، ولماذا يمكن أن يتفق خصمان في قضية ويختلفان في عشر قضايا أخرى. الحرب جمعت هذه المشاريع تحت ضغط البندقية. لكن السلام سيحررها من جديد لتظهر اختلافاتها الحقيقية. وهنا تكمن الصعوبة. فوقف الحرب قد يكون أسهل من الاتفاق على السودان الذي سيأتي بعدها. لأن السؤال لن يعود: من انتصر؟ بل: أي مشروع انتصر؟ وهل يستطيع السودان أن يصنع مشروعًا وطنيًا أوسع من كل هذه المشاريع، بحيث يجد فيه العسكري والمدني، والدارفوري والشرقي والوسطي، والإسلامي واليساري، والحزبي والمستقل، والنازح والمقيم، والشاب والشيخ، مكانًا له؟ ربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي لم تبدأ بعد. معركة إعادة تعريف السودان نفسه.

وفي المقال التالي، سنذهب خطوة أبعد:

ليس فقط إلى معرفة نقاط التشابه، وإنما إلى البحث عن نقاط الالتقاء الممكنة. من يمكن أن يجلس مع من؟ وأي المشاريع يمكن دمجها؟ وأيها يمكن أن تتعايش؟ وأيها يحمل تناقضات تجعل الجمع بينها مستحيلًا؟ فإذا كانت مهمتنا في المقال الأول هي تفكيك الخريطة، وكانت مهمتنا هنا إعادة رسم خطوطها الكبرى، فإن الخطوة التالية ستكون محاولة الإجابة عن السؤال الأصعب: هل يمكن صناعة مشروع سوداني واحد من مشاريع متنافسة، أم أن مستقبل السودان سيظل محكومًا بتوازن مشاريع متعددة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى