الاخبار

 د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب  : جرعة وعي : ظاهرة الحسد عندما تضيق الروح بنعمة لم تحرم منها

خرطوم سبورت

 

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب  : جرعة وعي : ظاهرة الحسد عندما تضيق الروح بنعمة لم تحرم منها

الحسد والحقد والغيرة أمراض نفسية واجتماعية فتاكة تأكل صاحبها كما تأكل النار الحطب وتنتهي به إما إلى المرض وإما إلى الموت وإما إلى العار أو تحوله إلى جرثومة فساد في المجتمع وهو عله مزمنة لا شفاء منها ولا راحة! وما أكثر هذه الأمراض في بيئات التعليم والعمل وفي محيط الأهل والجيران والأصدقاء والمعارف وفي كل دائرة مجتمعية صغرت أم كبرت! فليس الحسد أن ترى ما عند غيرك فتتمنى مثله فذلك قد يكون غبطة تدفع الإنسان إلى أن يجتهد ويبلغ. إنما الحسد أن تضيق بما وسع الله على غيرك وأن يصبح فرح الآخرين في عينيك خسارة لك وأن تتمنى زوال نعمتهم ليس فقط لأنك تحتاجها بل لأنك لم تحتمل أن تراها في يد سواك وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم فقال ” ومن شر حاسد إذا حسد”. وتناولها الكتاب والأدباء والشعراء ولذلك لم يكن غريبا أن يجد الحسد طريقه إلى الغناء السوداني فالفن في أصدق تجلياته لا يغني عن مشاعر الناس فحسب بل يكشف ما تخفيه النفوس. وفي الذاكرة الغنائية عبارات عن الحاسدين والعين والوشاية حتى صار الحسد صورة من صور الخوف على المحبة والنعمة والجمال. فهو في جوهره لا يبدأ من العين يبدأ من القلب. يبدأ عندما يفقد الإنسان رضاه بما قسم الله له فيتحول نجاح الآخر إلى سؤال مؤلم: لماذا هو؟ ثم يتحول السؤال إلى مقارنة والمقارنة إلى ضيق والضيق إلى تمني زوال النعمة ثم قد ينتهي الأمر إلى كلمة جارحة أو وشاية خفية أو موقف صغير يراد به كسر فرحة إنسان. وما أقسى أن يتحول الإنسان من صديق يفرح لفرحك إلى عين تراقب سقوطك وإنما الحاسد لا يسرق نعمتك فحسب ولكنه يكشف فقره الداخلي. ولا ينقص رزقك لكنه يبدد سلامه. ولا يطفئ نورك لكنه يعيش في عتمة المقارنة. ولهذا كان من أعمق ما ينبغي أن نتعلمه : أن النعمة لا تحتاج إلى أن تنتزع من الآخرين حتى تصبح لنا نعمة.
وفي بلد أنهكته الحرب وقلوب أثقلتها الخسارات نحن أحوج ما نكون إلى أن نعيد للنفوس قدرتها على الفرح لبعضها بعضا أن نفرح لمن عاد ولمن نجح ولمن تعافى، ولمن بنى بيته ولمن استعاد عمله، ولمن كتب الله له بداية جديدة. فليس من الحكمة أن ننجو من الحرب بأجسادنا ثم نحملها معنا إلى قلوبنا : غيرة، وحقدا، وتشفيا، ورغبة في كسر بعضنا بعضا.
فالحياة أوسع من أن تكون مسابقة بين الناس والرزق أوسع من أن يكون مقعدا واحدا لا يتسع إلا لواحد. وأخطر ما يفعله الحسد أنه لا يسلب النعمة من صاحبها، بل يسلب الطمأنينة من قلب صاحبِه. أما القلب الذي أيقن أن الأرزاق موزعه بحكمة، فلا يرى في نعمة غيره تهديدا لنصيبه بل يرى فيها شاهدا على سعة فضل الله. وحين يصفو قلبك من المقارنة لن تعود نعمة الآخرين تشعرك بالنقص ستراها نعمة لله، وتنتظر نصيبك منه بقلب مطمئن فطوبى لقلب يرى نعمة الله على غيره فيقول : اللهم بارك له وزدني من فضلك لأن القلب السليم لا يحزن من نور الآخرين، بل يستضيء به.

*هذا مع كامل الود والتقدير*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى