د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب :التسامح والتعايش السلمي : *طريق الوطن إلى شفاء الروح وبناء الغد
خرطوم سبورت

*جرعة وعي : التسامح والتعايش السلمي : *طريق الوطن إلى شفاء الروح وبناء الغد*
*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
يعد موضوع التعايش السلمي من أهم المواضيع التي لابد للمجتمعات – على اختلاف تكوينها الثقافي والعرقي – أن تهتم بها وتوليها العناية اللازمة لاسيما إن كانت تلك المجتمعات متنوعة الأديان أو الأثنيات أو القوميات، وأن تكون من أولويات تلك المجتمعات تعزيز فهم أفراده لمفهوم التعايش ليتسنى لهم العيش في ظل مجتمع يسوده الود والاحترام، ومحاولة فهم الآخر واحترام خلفياته الدينية والعرقية والثقافية.
وقد أولى الدين الإسلامي المفهوم أولوية خاصة عززته النصوص الدينية الكثيرة في القرآن والسنة النبوية، التي حثت على أن يكون العنوان السائد في العلاقات المجتمعية هو مفهوم التعايش السلمي لأنه الضمانة الأكيدة لسلامة المجتمع واستقراره.
فالتعايش : هو نوع من التعاون الذي يبنى بالثقة والاحترام ويهدف إلى إيجاد أرضية تتفق عليها الأطراف المختلفة ويتم عن طريق الاقتناع الداخلي والرضا ، والاختيار الكامل.
والتسامح : هو المحبة للناس جميعا دون تمييز بينهم على اللون او الجنسية والمعنى السائد للتسامح يقوم على مبدأ قبول الآخر باختلافه وتباينه.
السودان بأرضه التي اتسعت للقبائل والثقافات واللغات، يحمل في ذاكرته نموذجا أصيلا للتعايش فقد كان لدول الـجوار سندا
وحصنا حصينا تشهد بها المواقف
ويدونها التاريخ
كما إن الاختلاف هو زينة والإنسان وقيمته قبل انتمائه وما أحوجنا اليوم أن نحيي هذا الميراث في خطابنا في مدارسنا، في منصاتنا الرقمية وفي بيوتنا، حتى يصبح السلام ممارسة يومية.
فلنستحضر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق.”
فبهذا الميزان توزن القلوب، وتبنى الأوطان.
ويخاطبنا القرآن بنداء صاف يعيد الإنسان إلى جوهره :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فالتعارف هنا معرفة القيم والهموم والأحلام المشتركة، وبناء جسور من المحبة بين الناس سواء
ويعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن السلم يبدأ من دواخلنا
«المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»
فكم من حربٍ أشعلتها كلمة وكم من أوطان أنقذتها كلمة.
وفي الحكمة الإنسانية يقول المهاتما غاندي :
“التسامح صفة الأقوياء، لا الضعفاء.”
لأن القوي هو من يملك شجاعة العفو، وليس من يتقن فن الانتقام
والسودان الحبيب لم يخلق ليكون ساحة صراع، بل فضاء لقاء.
أرضه التي احتضنت النيلين قادرة أن تحتضن القلوب والعقول والأجساد ففي التنوع الذي نراه اختلافا تختبئ القوة التي نبحث عنها ففيها خلاصنا.
ثم أن القرآن الكريم يضعنا أمام ميثاق إنساني شامل لا يعترف بالحدود الضيقة ولا بالهويات المغلقة :
يقول تعالى :
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
إنها فلسفة تحويل الصراع إلى صلة والخصومة إلى قرابة والدمار إلى بداية جديدة.
ويؤسس النبي صلى الله عليه وسلم لدولة الضمير والنظام عندما قال :
«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
فالرحمة هنا سياسة أخلاقية لإدارة الحياة المشتركة بين الناس كافة
وفي الحكمة الإنسانية الجامعة، يقول نيلسون مانديلا:
“إذا أردت أن تصنع السلام مع عدوك فعليك أن تعمل معه، وحينها يصبح شريكك.”
هكذا تبنى الأوطان : من خصوم يتجاورون إلى شركاء يتقاسمون المصير.
إن التعايش السلمي في السودان ليس مشروع نخب ولا توصية مؤتمرات ولكن عقدا إجتماعيا جديدا ، يبدأ من البيت ومن المدرسة ومن المنابر ومن لقاءاتنا المتنوعة الأشكال ومن منصاتنا
هو أن يتعلم أطفالنا أن اختلاف اللهجات ليس سببا للسخرية، وأن تنوع الأعراق ليس مدخلًا للإقصاء، وأن الانتماء للوطن أوسع من كل انتماء ضيق .
فلنستدع قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”
جرعة اخيرة
يا أهلي في السودان وفي كردفان كافة إن الأوطان لا تقاس باتساع الأرض بل باتساع الصدور.
فلسنا قبائل تتجاور تحت سماء واحدة
بل روحا واحدة في أجساد متعددة.
لسنا اصواتا تتصارع في ساحة
بل نغمة واحدة تتعدد مقاماتها.
فقد تعلمنا أن الكراهية لا تنصف حقا ولا تبني وطنا، بل تضاعف الجراح وتورث الانقسام.
وأن نبذ الآخر لا يحمي الهوية، بل يفقرها ويضعف نسيجنا الاجتماعي
ثم إننا قد جنينا ثمرة التفرقة والانقسام والتشظي
ضعفا في الصف وهشاشة في الثقة بيننا وتبعثرا في الحلم الوطني، حتى غدا الوطن أضيق مما وسعنا جميعا
فلنتحد ونوحد كلمتنا وصفنا في وجه كل ما يهدد وطننا قبل أن نمضي إلى ترميم صفوفنا وبناء مجتمعنا على كلمة واحدة وقلب واحد ومستقبل لا يكسر بالفرقة ولا يهزم بالاختلاف
فلنختر أن نكون جيل الميثاق:
ميثاق الرحمة
والشراكة
والوطن اولا …
والإنسان دائمًا.
وليكن شعارنا اليوم وغدا
نختلف بوعي نتعايش بكرامة ونتحد من أجل سودان يسع الجميع… وطنا لا يقصي ، ولا يكسر ، ولا يهزم .
مع كامل الود










