أ/معتز محمد عبد الله المحامي يكتب : قرار لجنة الاستئنافات بين النصوص الصريحة ومنطق الموازنات
خرطوم سبورت

أ/معتز محمد عبد الله المحامي يكتب : قرار لجنة الاستئنافات بين النصوص الصريحة ومنطق الموازنات
طالعنا عبر الوسائط الإلكترونية قرار لجنة الاستئنافات بـالاتحاد السوداني لكرة القدم القاضي بقبول طلب الفحص والمراجعة، وإلغاء القرار السابق، ومن ثم إعادة مباراة نادي كوبر البحراوي ونادي الشرطة القضارف؛ وهو قرار، وبقدر ما يبدو في ظاهره إجراءً تصحيحيًا، فإنه في حقيقته يُشكّل انزلاقًا قانونيًا مقلقًا يمس صميم العدالة الرياضية، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام اللجنة بالمبادئ المستقرة في فقه ولوائح المنازعات الكروية.
فطريق “الفحص والمراجعة” ليس مسلكًا عاديًا، بل هو طريق استثنائي ضيق، لا يُفتح إلا عند قيام خطأ جسيم أو ظهور واقعة جديدة حاسمة من شأنها تغيير وجه القرار، وليس وسيلة لإعادة إنتاج النزاع أو إعادة توزيع نتائجه على نحو يُفرغ مبدأ حجية القرارات من مضمونه. والأخطر من ذلك أن اللجنة، بقرارها هذا، قد خالفت قاعدة قانونية راسخة مفادها: “لا يُضار الطاعن بطعنه”، إذ انتهت إلى وضع نادي كوبر—صاحب الشكوى—في مركز قانوني أسوأ مما كان عليه قبل سلوكه طريق التقاضي، وهو ما يُعد إخلالًا صريحًا بضمانات التقاضي العادل.
إن إعادة المباراة، في الحالة محل النزاع، لا تمثل تصحيحًا للخطأ، بل تُعد في حقيقتها عقوبة غير مباشرة على الفريق المتضرر، وتفريغًا للجزاء الطبيعي الذي تقرره القواعد العامة في مثل هذه الحالات، حيث استقر العمل في لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم على أن إشراك لاعب بصورة غير قانونية يترتب عليه—كأصل عام—اعتبار الفريق المخالف خاسرًا للمباراة، تحميلًا له تبعة خطئه، لا أن يُكافأ بإعادة المنافسة ومنحه فرصة جديدة لتصحيح خطئه داخل الملعب.
وما ذهبت إليه اللجنة من “حل توفيقي” عبر إعادة المباراة، يكشف عن خلل عميق في التكييف القانوني للواقعة، إذ لا يجوز في القضاء الرياضي—كما في غيره—استبدال النصوص الواضحة بمنطق الموازنات أو الاعتبارات المرنة، لأن العدالة لا تُبنى على التسويات، بل على التطبيق الصارم والمجرد للقواعد. فالجزاء في مثل هذه المخالفات ليس محل تقدير إنشائي، وإنما نتيجة قانونية مباشرة لثبوت الفعل المخالف.
ثم إن القرار تجاهل بصورة لافتة الأثر الواقعي لإعادة المباراة، إذ إن نادي كوبر، وبعد نهاية المنافسة، أجرى تغييرات فنية وإدارية مشروعة شملت شطب وتسريح عدد من اللاعبين، وهو ما يجعل تنفيذ قرار الإعادة مرهقًا وغير متكافئ، ويُلحق به ضررًا فنيًا وماديًا جسيمًا، في حين يبقى الفريق المخالف مستفيدًا من هذا الاضطراب، وهو ما يُعد إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص الذي يُفترض أن تحميه اللجنة لا أن تنتهكه.
الأدهى من ذلك أن هذا القرار يضرب في مقتل مبدأ استقرار المراكز القانونية، ويفتح الباب على مصراعيه لإعادة النزاعات بعد أن تستقر، مما يُفقد المسابقات الرياضية هيبتها ويُضعف الثقة في لجانها العدلية. فكيف يُطمئن نادٍ إلى عدالة المسار القانوني، إذا كان اللجوء إلى اللجنة قد ينتهي به إلى وضع أسوأ من ذي قبل؟
إن المسار القانوني السليم كان يقتضي، وبلا تردد، ترتيب الأثر الطبيعي للمخالفة، وذلك باحتساب نتيجة اعتبارية لصالح نادي كوبر، مع تثبيت مسؤولية الفريق المخالف، بما يحفظ العدالة ويصون استقرار المنافسة. أما العدول عن هذا المسار إلى إعادة المباراة، فهو سابقة خطيرة تُعيد تعريف الخطأ على أنه فرصة ثانية، وتُحوّل التقاضي من وسيلة إنصاف إلى مخاطرة غير مأمونة العواقب.
خلاصة القول: إن لجنة الاستئنافات، بهذا القرار، لم تُخطئ في التقدير فحسب، بل أسست لنهج قانوني معيب يُقوّض أسس العدالة الرياضية، ويُحمّل المتضرر عبء الخطأ الذي لم يرتكبه. وهو ما يستوجب مراجعة هذا التوجه على وجه السرعة، حمايةً لمصداقية المنظومة، وصونًا لحقوق الأندية، وترسيخًا لمبدأ بسيط لكنه جوهري: من يخطئ، يتحمل تبعة خطئه، لا أن يُمنح فرصة جديدة على حساب خصمه.
ماضاع حق وراءه مطالب
أ/معتز محمد عبد الله
المحامي











