الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : الخرطوم …مخاطر العودة قبل التعافي..

خرطوم سبورت

 

الخرطوم …مخاطر العودة قبل التعافي..

اسماعيل شريف

بدأت العاصمة السودانية الخرطوم خلال الأشهر الماضية تشهد عودة متزايدة للسكان الذين نزحوا بسبب الحرب، في مشهد يحمل قدراً من الأمل والرغبة في استعادة الحياة الطبيعية، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة معقدة حول قدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات لملايين العائدين.
فبينما تنظر الحكومة إلى العودة باعتبارها دليلاً على تحسن الأوضاع الأمنية واستعادة السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة، يرى كثيرون أن هذه العودة قد تتحول إلى ضغط هائل على الدولة ومؤسساتها المنهكة، وربما تفتح الباب أمام موجة جديدة من الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية.
ملايين يعودون إلى مدينة منهكة
تشير تقديرات رسمية ودولية إلى عودة أعداد كبيرة من السودانيين إلى الخرطوم والجزيرة خلال الفترة الماضية.
فقد تحدث مسؤولون في ولاية الخرطوم عن عودة أكثر من ثلاثة ملايين شخص إلى الولاية، بينما قدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد العائدين إلى الخرطوم وحدها بحوالي 1.8 مليون شخص خلال الأشهر الأخيرة.
لكن هذه العودة تتم إلى مدينة تعرضت بنيتها التحتية لدمار واسع شمل الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس والطرق وشبكات الاتصالات، إضافة إلى عمليات النهب والتخريب التي طالت المؤسسات العامة والخاصة.
وبالتالي فإن السؤال الأساسي لم يعد متعلقاً فقط بعودة المواطنين، وإنما بقدرة الخرطوم نفسها على الحياة مجدداً.
الخدمات في مواجهة الانهيار
أكبر تحديات المرحلة الحالية يتمثل في قطاع الخدمات.
فالمدارس والجامعات تعمل بصورة جزئية أو متعثرة، والمستشفيات تعاني من نقص الكوادر والأدوية والمعدات، بينما تواجه خدمات المياه والكهرباء أزمات متكررة بسبب التخريب وضعف التمويل.
ومع تزايد أعداد العائدين، فإن الضغط على هذه الخدمات سيتضاعف بصورة كبيرة، خاصة مع محدودية الموارد الحكومية وتراجع الإيرادات العامة.
كما أن الحكومة تجد نفسها مطالبة في الوقت نفسه بتمويل المجهود الحربي، ودفع التزامات الجيش والأجهزة الأمنية، وتأمين الإمداد العسكري في ظل استمرار المعارك في دارفور وكردفان ومحاور أخرى.
هذا التداخل بين متطلبات الحرب واحتياجات الخدمات المدنية يجعل الدولة أمام معادلة شديدة التعقيد: هل توجه الموارد نحو المعركة العسكرية أم نحو إعادة الإعمار والخدمات؟
تنامي الحركة المطلبية
من الطبيعي أن تؤدي عودة السكان إلى تصاعد المطالب الاجتماعية والمهنية.
فالمعلمون وأساتذة الجامعات والموظفون الحكوميون ظلوا طوال السنوات الماضية يعانون من ضعف الأجور وتدهور بيئة العمل، وقد شهد السودان قبل الحرب احتجاجات وإضرابات واسعة لهذه القطاعات.
واليوم، ومع عودة الملايين إلى المدن، تبدو احتمالات تصاعد الاحتجاجات أكبر، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة وانعدام الخدمات الأساسية.
كما بدأت بعض المناطق بالفعل تشهد احتجاجات مرتبطة بالخدمات، مثل أزمة المياه والكهرباء والوقود، وهو ما ينذر بتحول المطالب المعيشية إلى عامل ضغط سياسي جديد على السلطة.
الأمن الهش وانتشار السلاح
رغم التحسن النسبي في الوضع الأمني داخل أجزاء من الخرطوم، إلا أن المخاوف الأمنية ما تزال حاضرة بقوة.
فالحرب أدت إلى انتشار واسع للسلاح، وظهور مجموعات مسلحة وشبكات نهب وجريمة منظمة، إضافة إلى تصاعد تجارة المخدرات.
وقد أعلنت السلطات خلال الأشهر الأخيرة عن ضبطيات كبيرة للمخدرات والكبتاجون والكوكايين، إلى جانب حملات ضد عصابات النهب وتجار المخدرات داخل الخرطوم.
كما يتحدث مواطنون عبر منصات التواصل عن استمرار التفلتات الأمنية في بعض الأحياء، خاصة المناطق قليلة السكان أو التي تعرضت لدمار واسع أثناء الحرب.
وهذا يعني أن العودة إلى الخرطوم لا تعني بالضرورة عودة الاستقرار الكامل، بل ربما تؤدي الكثافة السكانية الجديدة إلى تعقيد الوضع الأمني إذا لم تتمكن الدولة من فرض سيطرتها بشكل كامل.
الاقتصاد العاجز عن التعافي
الحكومة السودانية تواجه اليوم أزمة اقتصادية خانقة
اذ يمثل تراجع الإيرادات وارتفاع الإنفاق العسكري
وكذلك انهيار قطاعات الإنتاج وتراجع الاستثمار وضعف الدعم الدولي ابرز المهددات الاقتصادية.
وفي المقابل، تحتاج العاصمة إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار وإعادة تشغيل الخدمات.
كما أن كثيراً من العائدين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم، ما يعني زيادة معدلات البطالة والفقر، وارتفاع الاعتماد على الدولة في وقت تعاني فيه أصلاً من ضعف شديد في الإمكانيات.
وبالتالي فإن عودة السكان، رغم رمزيتها الإيجابية، قد تتحول عملياً إلى عبء اقتصادي إضافي على حكومة تخوض حرباً مفتوحة وتعاني من شح الموارد.
بين بشريات العودة ومخاطر الانفجار
لا شك أن عودة السودانيين إلى الخرطوم تمثل رسالة نفسية مهمة بأن الناس ما زالوا يؤمنون بإمكانية استعادة الحياة والدولة.
لكن العودة وحدها لا تكفي.
فإذا لم تترافق مع استعادة الأمن وإعادة الخدمات ومعالجة الأزمة الاقتصادية اضافة الى ضبط السلاح وتوفير فرص العمل وإطلاق مشروع سياسي ينهي الحرب.

فإن الخرطوم قد تواجه مستقبلاً موجة جديدة من الاحتقان الاجتماعي والانفلات الأمني.
وقد تتحول المدينة من ساحة حرب عسكرية إلى ساحة أزمات معيشية وخدمية وسياسية أكثر تعقيداً.
عودة السودانيين إلى الخرطوم ليست مجرد حركة سكانية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على البقاء وإعادة بناء نفسها بعد الحرب.
فالناس عادوا لأنهم يريدون الحياة، لكن استمرار هذه العودة واستقرارها يتوقف على قدرة الحكومة على توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات والعيش الكريم.
أما إذا عجزت الدولة عن ذلك، فإن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية قد تصبح التحدي الأكبر الذي يواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب، وربما أخطر من المعارك نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى