الاخبار

ترس الشمال… وخنق الاقتصاد

خرطوم سبورت

 

ترس الشمال… وخنق الاقتصاد

كيف تحوّل الاحتجاج الحدودي إلى عامل ضغط اقتصادي بين السودان ومصر؟

تقرير: إسماعيل شريف

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر على الشريط الحدودي بين السودان ومصر، يعود اسم “ترس الشمال” إلى واجهة الأحداث بوصفه أحد أكثر أدوات الاحتجاج تأثيراً على حركة التجارة والاقتصاد. وبينما بدأت الظاهرة كوسيلة ضغط سياسية ومطلبية، تحولت مع مرور الوقت إلى عامل اقتصادي شديد الحساسية ينعكس على حركة السلع والبضائع والمسافرين بين البلدين.
ومع التطورات الأخيرة المرتبطة بحادثة مقتل عدد من المعدنين السودانيين في المنطقة الحدودية المتنازع عليها، تبرز تساؤلات جديدة حول مستقبل العلاقات الحدودية، واحتمالات التصعيد، ومدى قدرة الحكومتين على احتواء تداعيات الأزمة في ظل زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى منطقة الرتج وما تحمله من رسائل سياسية وأمنية.

من أين بدأ “ترس الشمال”؟

ظهر مصطلح “ترس الشمال” بصورة واضحة عقب ثورة ديسمبر، عندما لجأت مجموعات من الناشطين والمحتجين في الولاية الشمالية إلى إغلاق الطريق القاري الرابط بين السودان ومصر عند منطقة أرقين، باعتباره شرياناً حيوياً للتبادل التجاري.
في بداياته ارتبط الترس بمطالب سياسية مرتبطة بالانتقال الديمقراطي، قبل أن يتطور لاحقاً ليصبح وسيلة ضغط تستخدمها قوى محلية وقبلية ومطلبية للاحتجاج على قضايا مختلفة، من بينها الخدمات والتنمية والتهميش وقضايا الأراضي.
ومع تكرار عمليات الإغلاق، بدأت الشركات والمستوردون ينظرون إلى المعبر باعتباره نقطة عالية المخاطر، ما انعكس على تكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.

شريان اقتصادي حيوي

يمثل معبرا أرقين وأشكيت أحد أهم منافذ التجارة البرية بين السودان ومصر، حيث تمر عبرهما المواد الغذائية والأدوية والمنتجات الصناعية وقطع الغيار، فضلاً عن حركة المسافرين.
ويرى خبراء اقتصاد أن أي توقف في هذا الشريان ينعكس فوراً على الأسواق السودانية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات المصرية، كما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وانعكاسات مباشرة على أسعار السلع الأساسية.

ويقول الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور محمد الناير إن الإغلاقات المتكررة للطرق والمعابر الحدودية أصبحت تشكل عبئاً إضافياً على الاقتصاد السوداني الذي يعاني أصلاً من تداعيات الحرب وتراجع الإنتاج وانهيار البنية التحتية، موضحاً أن تكلفة التأخير في حركة الشاحنات تنعكس في النهاية على المستهلك.
أما الباحث في شؤون التجارة الإقليمية الدكتور أحمد شوقي فيرى أن استمرار حالة عدم اليقين على الحدود يضعف فرص التكامل الاقتصادي بين البلدين، ويؤثر على ثقة المستثمرين وشركات النقل والتخليص.

حادثة المعدنين… شرارة جديدة للتوتر

جاءت حادثة مقتل عدد من المعدنين السودانيين في المنطقة الحدودية خلال الأيام الماضية لتعيد ملف الحدود إلى دائرة الضوء.
فبينما أثارت الواقعة غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية السودانية، تصاعدت الدعوات لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه الوجود الأمني في المنطقة، كما أعادت القضية إلى الواجهة الجدل القديم حول المناطق الحدودية المتنازع عليها، وعلى رأسها مثلث حلايب وشلاتين.
ويشير مراقبون إلى أن الحوادث المرتبطة بالتعدين الأهلي والعبور غير النظامي تظل من أكثر الملفات حساسية، نظراً لتداخل العوامل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية فيها.

هل يتكرر سيناريو الترس؟

يرى متابعون أن الغضب الشعبي الناتج عن قضية المعدنين قد يدفع بعض المجموعات المحلية إلى العودة لخيار إغلاق الطرق أو المعابر الحدودية كورقة ضغط، خاصة في ظل سوابق عديدة شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
غير أن خبراء يحذرون من أن أي تصعيد من هذا النوع ستكون كلفته الاقتصادية باهظة على السودان قبل غيره، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات غير مسبوقة تتعلق بتوفير السلع الأساسية واستقرار الأسواق.
ويؤكد الباحث في قضايا النزاعات الحدودية الدكتور صلاح الدومة أن استخدام الاقتصاد كساحة للاحتجاج قد يحقق مكاسب سياسية آنية، لكنه غالباً ما يترك آثاراً طويلة المدى على المجتمعات المحلية التي تعتمد على التجارة العابرة للحدود.

زيارة البرهان… رسائل احتواء أم بداية مرحلة جديدة؟

تأتي زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى منطقة الرتج الحدودية في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتزامن مع تطورات أمنية شهدتها المنطقة مؤخرا وتحديات إقليمية متزايدة، فضلاً عن الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الخرطوم والقاهرة في ملفات الأمن والهجرة والتجارة.
ويرى محللون أن تصريحات البرهان خلال الزيارة تهدف الى احتواء أي تداعيات قد تنشأ عن حادثة المعدنين ومنع انتقالها إلى مستوى يؤثر على العلاقات الرسمية بين البلدين.
كما يتوقع مراقبون أن تشهد الأيام القادمة تأكيداً متبادلاً على أهمية الحفاظ على استقرار الحدود وضمان انسياب حركة التجارة وعدم السماح بتحول الحوادث الفردية إلى أزمات سياسية مفتوحة.

بين الغضب الشعبي والمصالح الاستراتيجية

يبقى “ترس الشمال” نموذجاً معبراً عن التداخل المعقد بين السياسة والاقتصاد في السودان. فبينما يراه البعض أداة ضغط مشروعة للتعبير عن المطالب والاحتجاجات، ينظر إليه آخرون باعتباره سلاحاً يهدد المصالح الاقتصادية ويعمق الأزمات المعيشية.
وفي ظل التوترات الأخيرة على الحدود، تبدو الخرطوم والقاهرة أمام اختبار جديد يتطلب موازنة دقيقة بين احتواء الغضب الشعبي وحماية المصالح الاستراتيجية المشتركة.
فأي تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى إرباك حركة التجارة وإضعاف الاقتصاد الحدودي، بينما يبقى الحوار والتنسيق الأمني والسياسي الخيار الأقل كلفة والأكثر قدرة على منع تحول الحوادث الحدودية إلى أزمة أوسع بين البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى