الاخبار

بعد نيويورك… هل يتحول الضغط الدولي إلى فرصة حقيقية للسلام؟

خرطوم سبورت

 

بعد نيويورك… هل يتحول الضغط الدولي إلى فرصة حقيقية للسلام؟

إسماعيل شريف

لم تكن جلسة مجلس الأمن التي انعقدت أمس مجرد اجتماع دوري لمناقشة تطورات الحرب في السودان، بل حملت مؤشرات تعكس تغيراً في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال الذي أرهق البلاد واستنزف الإنسان والاقتصاد والدولة.

الأهم في هذه التطورات ليس تبادل الاتهامات بين الأطراف، وإنما إدراك المجتمع الدولي أن استمرار الحرب لم يعد أزمة سودانية داخلية فحسب، بل أصبح تهديداً للاستقرار الإقليمي، ومصدراً للنزوح والهجرة، وبيئة خصبة للجريمة المنظمة وانتشار السلاح، فضلاً عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين.

لقد أثبتت سنوات الحرب أن البيانات المنددة، والدعوات المتكررة لضبط النفس، لم تكن كافية لوقف نزيف الدم. ففي كل مرة كانت ترتفع فيها الأصوات الدولية، كانت المعارك تتجدد على الأرض، ويزداد عدد الضحايا، وتتسع رقعة الدمار.

ومن هنا، فإن الرسائل التي خرجت من نيويورك ينبغي ألا تتوقف عند حدود التصريحات السياسية، وإنما يجب أن تتحول إلى خطوات عملية تضغط على جميع الأطراف دون استثناء، لدفعها نحو وقف إطلاق نار شامل ومستدام، والجلوس إلى طاولة تفاوض جادة تضع مصلحة السودان فوق أي حسابات عسكرية أو سياسية.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب. ملايين النازحين واللاجئين، وانهيار الخدمات الأساسية، وتراجع الاقتصاد، وتعطل التعليم، وتدهور النظام الصحي، كلها مؤشرات تؤكد أن استمرار القتال لم يعد يحقق مكاسب حقيقية لأي طرف، بينما يخسر الوطن بأكمله كل يوم.

ولذلك فإن أي ضغوط أو عقوبات دولية ينبغي أن يكون هدفها الأول حماية المدنيين، ومنع تمويل الحرب، ووقف تدفق السلاح، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في جميع أنحاء السودان، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو عسكرية.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من دور المراقب إلى دور الفاعل، عبر رعاية مسار تفاوضي أكثر جدية، يحدد سقفاً زمنياً واضحاً للوصول إلى اتفاق، مع وجود ضمانات وآليات رقابة تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تفتقر إلى الضمانات سرعان ما تنهار.

وفي المقابل، فإن المسؤولية الأكبر تبقى على عاتق القوى السودانية نفسها. فلا يمكن لأي مبادرة خارجية أن تنجح إذا لم تتوفر إرادة وطنية صادقة تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة على أسس العدالة والشراكة وسيادة القانون.

لقد تعب السودانيون من انتظار نهاية هذه المأساة. ولم يعد المواطن العادي معنيّاً بمن يحقق تقدماً عسكرياً هنا أو هناك، بقدر ما يتطلع إلى يوم يعود فيه إلى منزله، ويستأنف أبناؤه تعليمهم، وتفتح المستشفيات أبوابها، وتعود الأسواق إلى نشاطها، ويستعيد الوطن عافيته.

إن جلسة نيويورك قد تكون بداية مرحلة جديدة إذا أحسن المجتمع الدولي استثمارها، وإذا تحولت لغة القلق إلى إجراءات مؤثرة، والوساطات المتعثرة إلى مبادرات ملزمة، والضغوط المتفرقة إلى موقف دولي موحد يدفع جميع الأطراف نحو السلام.

فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البيانات، بل يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية تضع حداً للحرب، وإرادة سودانية أشجع تضع حداً للانقسام.

فالسلام لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية وإنسانية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى