
السودان بين ضغط الميدان وحراك الدبلوماسية
هل تقترب الحرب من منعطف سياسي جديد؟
إسماعيل شريف
لم تعد الحرب في السودان تُقرأ من خلال بيانات العمليات العسكرية وحدها، ولا من خلال الخرائط التي تتبدل عليها خطوط التماس بين يوم وآخر. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، بدأت مؤشرات سياسية ودبلوماسية متسارعة توحي بأن الملف السوداني يدخل مرحلة جديدة، عنوانها البحث عن مخرج سياسي يواكب المتغيرات التي فرضها الميدان.
وخلال أسابيع قليلة، تتابعت تحركات يصعب النظر إليها بوصفها أحداثًا منفصلة. فقد استضافت القاهرة لقاءات بين مسؤولين سودانيين والمبعوث الأمريكي مسعد بولس، وكشفت تقارير إعلامية عن اجتماع جمع بولس بعضو مجلس السيادة الفريق أول ركن شمس الدين الكباشي، في وقت تحدثت فيه مصادر متطابقة عن استمرار النقاش حول ورقة أمريكية تتعلق بوقف الحرب وترتيبات الانتقال إلى مسار سياسي. وفي التوقيت ذاته، برز التحرك السعودي من خلال زيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى جوبا، في خطوة تعكس استمرار اهتمام الرياض بالملف السوداني، بعد الدور الذي اضطلعت به في رعاية منبر جدة، وما تمثله من ثقل سياسي في أي جهد إقليمي لإحياء عملية السلام.
هذه التحركات، إلى جانب استمرار الاتصالات الإقليمية والدولية، تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا الآن؟ هل نحن أمام مبادرة جديدة تختلف عن المبادرات السابقة، أم أمام محاولة لإعادة إحياء مسارات تعثرت بسبب تعقيدات الميدان وغياب الثقة بين الأطراف؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الانطلاق من حقيقة أساسية؛ وهي أن الدبلوماسية لا تتحرك في الفراغ. فالمبادرات السياسية غالبًا ما تكون انعكاسًا لموازين القوى على الأرض، وليست بديلًا عنها. وما شهدته الأشهر الأخيرة من تغيرات ميدانية أعاد تشكيل حسابات اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، وفتح الباب أمام تحركات كانت تبدو بعيدة المنال قبل أشهر.
فعلى الصعيد العسكري، تمكن الجيش السوداني من استعادة السيطرة على مناطق ذات أهمية استراتيجية، وأعاد تثبيت حضوره في أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم، إلى جانب تقدمه في ولايات أخرى. وفي المقابل، لم يعد الصراع يدور حول السيطرة على المدن وحدها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بكيفية إدارة مرحلة ما بعد العمليات العسكرية، وهو ما يفسر انتقال جزء من الاهتمام الدولي من متابعة المعارك إلى البحث عن آليات يمكن أن توقفها.
ومن هنا يمكن قراءة التحرك الأمريكي الأخير. فالمعلومات المتاحة، والتي تداولتها أكثر من وسيلة إعلامية، تشير إلى أن المبعوث الأمريكي مسعد بولس أجرى لقاءات مع مسؤولين سودانيين لبحث ورقة تتعلق بوقف الحرب. وما هو مؤكد حتى الآن أن هذه الورقة نوقشت مع الحكومة السودانية، وأنها لم تتحول إلى اتفاق أو التزام ملزم، كما لم يصدر إعلان رسمي يكشف تفاصيلها الكاملة. ولذلك فإن أي حديث عن مضامينها ينبغي أن يبقى في حدود ما نُشر، دون تجاوز الوقائع المعلنة أو البناء على تسريبات غير مؤكدة.
لكن أهمية هذه اللقاءات لا تكمن في تفاصيل الورقة وحدها، وإنما في دلالتها السياسية. فهي تشير إلى أن واشنطن لم تغادر الملف السوداني، بل تعيد ترتيب مقاربتها، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار الحرب يهدد استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويزيد من تعقيد ملفات الهجرة والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات تتجاوز حدود السودان.
وفي السياق ذاته، تكتسب زيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى جوبا أهمية خاصة. فالمملكة العربية السعودية كانت الشريك الرئيس في إطلاق منبر جدة، وما زالت تمتلك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. كما أن اختيار جوبا، بما تمثله من ارتباط مباشر بالسودان سياسيًا وأمنيًا وجغرافيًا، يعكس اهتمامًا بتنسيق المواقف الإقليمية واستكشاف فرص تحريك المسار السياسي في مرحلة تبدو مختلفة عن المراحل السابقة.
أما مصر، فقد واصلت دورها بوصفها إحدى أهم ساحات التواصل السياسي المتعلقة بالأزمة السودانية. واستضافة القاهرة للقاءات بين مسؤولين سودانيين والمبعوث الأمريكي لا تبدو مجرد اختيار لمدينة تستضيف اجتماعًا، بل تعكس استمرار الحضور المصري في إدارة الملف السوداني، انطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي والعلاقات التاريخية بين البلدين، وما تمثله استعادة الاستقرار في السودان من أهمية مباشرة لمصر.
لكن، وعلى الرغم من هذا الحراك، فإن جوهر الخلاف لم يتغير. فالحكومة السودانية تؤكد أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يرتبط بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمرافق المدنية، بينما تميل بعض المبادرات الدولية إلى طرح ترتيبات متدرجة أو متزامنة تجمع بين وقف القتال وإعادة الانتشار والانطلاق نحو عملية سياسية. وهذه الفجوة ظلت العامل الأبرز في تعثر المبادرات السابقة، ومن المرجح أن تبقى التحدي الأكبر أمام أي مبادرة جديدة.
وتفرض هذه التطورات سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل نحن أمام مبادرة جديدة فعلًا، أم أمام إعادة صياغة لمبادرات سابقة بصياغة مختلفة؟ فالتجربة السودانية منذ اندلاع الحرب أثبتت أن المشكلة لم تكن في غياب المبادرات، وإنما في غياب التوافق على شروط تنفيذها، وانعدام الثقة بين أطراف الصراع، وتباين الرؤى بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.
لذلك، فإن نجاح أي مسار تفاوضي جديد لن يتوقف على تعدد اللقاءات أو كثافة التحركات الدبلوماسية، بل على قدرة الوسطاء على تضييق الفجوة بين مواقف الأطراف السودانية، وتوفير ضمانات حقيقية لتنفيذ أي اتفاق، مع احترام سيادة السودان وحق مؤسساته في اتخاذ القرار.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل اقترب السودان من لحظة تفرض فيها كلفة استمرار الحرب نفسها على الجميع، فتغدو التسوية خيارًا واقعيًا لا مجرد رغبة دولية؟ أم أن الميدان لا يزال يحمل من التعقيدات ما يجعل كل مبادرة جديدة معرضة للمصير ذاته الذي انتهت إليه المبادرات السابقة؟
الإجابة لن تأتي من قاعات الاجتماعات وحدها، ولا من ساحات القتال وحدها، وإنما من قدرة السودانيين أنفسهم، مدعومين بجهد إقليمي ودولي متوازن، على تحويل الحراك الدبلوماسي الراهن إلى عملية سياسية تعالج جذور الأزمة، وتضع حدًا لحرب أنهكت الدولة والمجتمع، وأعادت تشكيل ملامح السودان والمنطقة بأسرها.
غير أن قراءة التحرك الأمريكي من زاوية الوساطة وحدها تبقى قراءة ناقصة. فالسودان لم يعد بالنسبة لواشنطن مجرد ساحة نزاع داخلي، بل أصبح جزءًا من معادلة أمن إقليمي تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي ومنطقة الساحل. فاستمرار الحرب يعني اتساع رقعة النزوح واللجوء، وتزايد مخاطر الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، وفتح المجال أمام تنامي نفوذ قوى دولية وإقليمية منافسة في منطقة تمثل أحد أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم.
ومن هذا المنطلق، تبدو الورقة الأمريكية – بصرف النظر عن تفاصيلها التي لم تُعلن رسميًا – محاولة لإعادة إطلاق عملية سياسية تراعي المعطيات الجديدة التي فرضها الميدان، أكثر من كونها مبادرة منفصلة عن الجهود السابقة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي تسوية لن تكون قابلة للحياة إذا تجاهلت ميزان القوى الجديد، كما تدرك في الوقت نفسه أن استمرار الحرب يحمل كلفة إنسانية وأمنية تتجاوز حدود السودان إلى دول الجوار والبحر الأحمر.
وفي المقابل، لا يمكن فهم الحراك السعودي بمعزل عن هذه الرؤية الإقليمية. فزيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى جوبا جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بما يعكس استمرار انخراط الرياض في الملف السوداني بعد تجربة منبر جدة، وسعيها إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع العواصم المؤثرة في الأزمة. كما أن اختيار جوبا يحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فجنوب السودان يرتبط بالسودان بحدود طويلة، وتشابكات أمنية واقتصادية، وخطوط عبور للنفط والتجارة، فضلاً عن استضافته أعدادًا كبيرة من الفارين من الحرب، وهو ما يجعله طرفًا متأثرًا مباشرة بأي تطور في مسار الصراع.
وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى أن الإقليم بدأ يتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة تهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله، لا مجرد صراع داخلي. ولذلك فإن التنسيق بين القاهرة والرياض وجوبا، بالتوازي مع الانخراط الأمريكي، قد يمثل محاولة لبناء أرضية سياسية أكثر تماسكًا من المبادرات السابقة، وإن كان نجاحها سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات متبادلة، وبوجود آليات واضحة لتنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها.
ويستحق اختيار المبعوث الأمريكي مسعد بولس التوقف عنده، ليس من زاوية شخصه فحسب، وإنما باعتباره مؤشرًا على طبيعة المقاربة التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية. فالإدارة لا تبدو معنية بإطلاق مبادرة جديدة تحمل اسمًا مختلفًا، بقدر اهتمامها بإيجاد مسار عملي يمكن أن يحقق اختراقًا في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدًا.
وتشير التحركات الأخيرة إلى أن واشنطن تحاول الانتقال من مرحلة البيانات الدبلوماسية العامة إلى مرحلة الاتصالات المباشرة مع صناع القرار في السودان والدول المؤثرة في محيطه. ويعكس ذلك إدراكًا أمريكيًا بأن الحرب السودانية لم تعد ملفًا إنسانيًا أو سياسيًا داخليًا فحسب، بل أصبحت قضية تمس أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الإفريقي، وحركة التجارة الدولية، ومصالح عدد من القوى الكبرى والإقليمية.
كما أن اختيار بولس يعكس تفضيل الإدارة الأمريكية لقنوات تفاوض مرنة، تعتمد على الحوار المباشر أكثر من المؤتمرات الموسعة التي أثبتت التجربة أنها كثيرًا ما تنتهي بإعلانات سياسية لا تجد طريقها إلى التنفيذ. ومن هذا المنظور، فإن اللقاءات التي عُقدت في القاهرة، وما سبقها وما قد يتبعها من اجتماعات، تبدو جزءًا من مسار تفاوضي هادئ يسعى إلى اختبار مواقف الأطراف، وبناء نقاط تفاهم تدريجية قبل الانتقال إلى أي إعلان سياسي رسمي.
لكن هذا النهج يواجه تحديًا جوهريًا. فالسودان ليس ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية فحسب، بل تتداخل فيه أيضًا حسابات الفاعلين الإقليميين، من مصر والسعودية ودول الخليج، إلى الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد، فضلًا عن الأمم المتحدة. ولهذا فإن نجاح أي تحرك أمريكي لن يتوقف على جودة الورقة المطروحة، وإنما على قدرته في تنسيق هذه المصالح المختلفة ضمن رؤية واحدة، تتجنب تكرار تعدد المبادرات الذي أضعف الجهود السابقة وأربك الأطراف السودانية.
ومن هنا، تبدو التحركات الأمريكية والسعودية والمصرية أقرب إلى محاولات لبناء مظلة سياسية مشتركة، لا لإطلاق مبادرات متنافسة. وإذا نجح هذا التنسيق، فقد تتوافر للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب فرصة لتوحيد المسارات السياسية والإقليمية والدولية في اتجاه واحد، وهو شرط ظل غائبًا في معظم محاولات الوساطة السابقة.










