
هل يُعاد تشكيل الإقليم تمهيدًا لتسوية الحرب في السودان؟
كيف تقود التحركات من أبوظبي إلى الكويت… ومن إنجمينا إلى واشنطن… إلى الخرطوم؟
إسماعيل شريف
ليست كل الأخبار أخبارًا.
فبعضها لا يُفهم إذا قُرئ منفردًا، ولا يكشف معناه الحقيقي إلا عندما يوضع إلى جوار غيره، كما تُجمع قطع الفسيفساء لتظهر الصورة التي كانت غائبة عن العين.
خلال أيام قليلة فقط، توالت في المنطقة أحداث بدت للوهلة الأولى وكأنها تنتمي إلى ملفات مختلفة. رئيس تشاد يزور دولة الإمارات ويحصل على دعم اقتصادي واستثماري واسع. الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يتوجه إلى دولة الكويت في زيارة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية. الولايات المتحدة تعلن منح الإمارات امتيازات غير مسبوقة في الحصول على التقنيات الأمريكية المتقدمة وإعادة تصديرها بعد إعادة تصنيفها ضمن مجموعة A:5. وفي الوقت نفسه، تتواصل التعزيزات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بينما تتسارع اللقاءات والاتصالات الدبلوماسية في أكثر من عاصمة معنية بملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
قد تبدو هذه الوقائع، عند قراءتها منفصلة، مجرد أخبار يومية تتنافس على عناوين الصحف. لكن القراءة الاستراتيجية لا تنظر إلى الأخبار باعتبارها أحداثًا مستقلة، وإنما باعتبارها إشارات. والإشارة، بطبيعتها، لا تكتسب معناها من ذاتها، بل من علاقتها بما يحيط بها.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
هل نحن أمام سلسلة مصادفات سياسية، أم أمام إعادة ترتيب هادئة للإقليم الذي يدور السودان في قلبه؟
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، لم يعد السودان ملفًا داخليًا تُحدد مساره موازين القوى العسكرية وحدها. لقد تحول، تدريجيًا، إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح متشابكة؛ من أمن البحر الأحمر، إلى استقرار القرن الأفريقي، ومن معادلات الساحل والصحراء، إلى أمن الخليج، مرورًا بالمنافسة على الموانئ، وخطوط التجارة، والمعادن الاستراتيجية، وشبكات النفوذ الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، يصبح من الصعب التعامل مع التحركات الأخيرة باعتبارها أحداثًا منفصلة. فزيارة الرئيس التشادي إلى أبوظبي لا تخص تشاد وحدها، كما أن زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى الكويت لا تقتصر على العلاقات الثنائية، والقرار الأمريكي بشأن الإمارات لا يمكن عزله عن إعادة تعريف واشنطن لعلاقاتها مع حلفائها، كما أن التعزيزات العسكرية الأمريكية ليست مجرد إجراءات أمنية معزولة عن السياق السياسي الأوسع.
كل قطعة تبدو مفهومة بذاتها، لكن الصورة لا تكتمل إلا عندما تجتمع القطع فوق الطاولة نفسها.
وهنا تحديدًا يبدأ السودان في الظهور، لا بوصفه موضوعًا من موضوعات الإقليم، وإنما باعتباره إحدى النقاط التي تتقاطع عندها معظم خطوطه.
هذا المقال لا يسعى إلى إثبات وجود اتفاق سري أو صفقة معلنة، فمثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة لا إلى ظنون. لكنه يحاول قراءة الاتجاه العام الذي تتحرك فيه المنطقة، انطلاقًا من وقائع معلنة وتحركات موثقة، وصولًا إلى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نشهد إعادة هندسة للمشهد الإقليمي تمهيدًا لمرحلة جديدة في السودان، أم أن ما نراه ليس أكثر من تزامن بين أحداث لا يجمعها سوى عامل الزمن؟
الإجابة لا تكمن في خبر واحد، وإنما في الصورة التي تتشكل عندما تجتمع الأخبار كلها.
الإشارة الأولى… لماذا تشاد؟ ولماذا الآن؟
إذا كان السودان يمثل قلب هذه الأزمة، فإن تشاد تمثل إحدى بواباتها الأكثر حساسية.
فالعلاقة بين البلدين لم تعد تُقاس فقط بطول الحدود المشتركة، ولا بالامتداد الاجتماعي والقبلي الذي يربط سكان جانبي الحدود، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بواحدة من أعقد ساحات الصراع في الحرب السودانية، وهي إقليم دارفور، الذي يتداخل فيه البعد العسكري مع الإنساني والسياسي والإقليمي.
من هذا المنظور، تكتسب زيارة الرئيس التشادي المشير محمد إدريس ديبي “محمد كاكا” إلى دولة الإمارات أهمية تتجاوز ما أُعلن عنها من اتفاقات اقتصادية أو دعم تنموي. فالعلاقات بين أبوظبي وإنجمينا ليست جديدة، لكن توقيت الزيارة، وطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، يجعلانها جزءًا من مشهد أوسع يستحق القراءة.
تشاد تواجه تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، كما تتحمل أعباء كبيرة نتيجة تدفقات اللاجئين السودانيين، وهي في الوقت نفسه لاعب لا يمكن تجاوزه في أي تصور لمستقبل غرب السودان، سواء من زاوية الأمن الحدودي، أو الاستقرار الإنساني، أو ترتيبات ما بعد الحرب.
ولذلك، فإن تعزيز قدرات الدولة التشادية واستقرارها لا يخدم تشاد وحدها، بل ينعكس على مجمل البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان.
ولا يعني ذلك أن الدعم الإماراتي مرتبط مباشرة بالملف السوداني، فالإمارات تمتلك استثمارات ومصالح ممتدة في أفريقيا، وتشاد تمثل شريكًا مهمًا في منطقة الساحل. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن أي تغير في موازين الاستقرار داخل تشاد ستكون له انعكاسات مباشرة على السودان، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح.
وهنا تظهر أولى الإشارات.
فحين تتحرك دولة ذات حضور إقليمي مؤثر لتعزيز شراكتها مع الدولة الأكثر التصاقًا بالحدود الغربية للسودان، فإن الأمر يستحق أن يُقرأ في سياق إعادة ترتيب البيئة الإقليمية، لا في إطار العلاقات الثنائية وحدها.
ولعل السؤال الأهم ليس: ماذا حصلت عليه تشاد من هذه الزيارة؟
بل: كيف يمكن أن تؤثر دولة أكثر استقرارًا وأكثر قدرة على أداء دورها الإقليمي في مستقبل الأزمة السودانية؟
ذلك سؤال لا تملك إجابته زيارة واحدة، لكنه يصبح أكثر وضوحًا عندما نضع إلى جواره بقية الإشارات التي ظهرت في الفترة نفسها.
الإشارة الثانية… ماذا يعني أن تمنح واشنطن الإمارات امتيازًا استراتيجيًا الآن؟
في عالم السياسة الدولية، كثيرًا ما تكون القرارات الفنية أكثر تعبيرًا من التصريحات السياسية.
فالبيانات الدبلوماسية قد تحمل عبارات عامة تحتمل أكثر من تفسير، أما القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا المتقدمة، وضوابط التصدير، والشراكات الدفاعية، فهي غالبًا تعكس مستوى الثقة الذي أصبحت تتمتع به دولة ما داخل الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
من هذا المنطلق، يكتسب القرار الأمريكي بإعادة تصنيف دولة الإمارات ضمن مجموعة A:5 أهمية تتجاوز أبعاده التجارية أو التقنية. فالقرار يعني، في جوهره، أن واشنطن باتت تنظر إلى أبوظبي باعتبارها شريكًا يحظى بدرجة أعلى من الثقة في التعامل مع التقنيات الحساسة، وهو تطور لا يُقاس فقط بما يتيحه من مزايا اقتصادية، وإنما بما يعكسه من طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وجاء هذا التطور في مرحلة تشهد إعادة صياغة لأولويات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فمنذ سنوات، تتجه واشنطن إلى تقليل الانخراط العسكري المباشر، مقابل الاعتماد بصورة أكبر على شركاء إقليميين يمتلكون القدرة على الإسهام في حفظ الاستقرار، وتأمين الممرات البحرية، والتعامل مع الأزمات المتشابكة.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تنقل أدوارها إلى حلفائها، لكنه يعني أنها تعمل على بناء شبكة من الشركاء القادرين على تحمل مسؤوليات أكبر ضمن رؤية أمريكية أوسع للأمن الإقليمي.
وهنا تبرز أهمية التوقيت.
فالقرار الأمريكي جاء بينما تشهد المنطقة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، وتوترات أمنية متصاعدة، وتعزيزات عسكرية أمريكية، وتحولات في موازين العلاقات الإقليمية. وفي مثل هذه اللحظات، يصعب النظر إلى كل خطوة بمعزل عن السياق العام الذي تتحرك فيه.
وبالنسبة للسودان، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن في وجود ارتباط مباشر بين القرار الأمريكي والحرب السودانية، إذ لا توجد معطيات معلنة تسمح بهذا الاستنتاج، وإنما في أن السودان أصبح جزءًا من البيئة الاستراتيجية التي يعاد ترتيبها.
فالخرطوم تقع عند نقطة التقاء ملفات البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والساحل، والهجرة، وأمن التجارة، وهي ملفات أصبحت أكثر حضورًا في حسابات القوى الكبرى خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا، فإن أي تعزيز لمكانة شريك إقليمي مؤثر، أو إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة التحالفات، ينعكس بطبيعة الحال على الملفات التي يتحرك ذلك الشريك داخلها، سواء بصورة مباشرة أو عبر التأثير في البيئة السياسية المحيطة بها.
وهذه هي الإشارة الثانية التي تستحق التوقف.
فالقرار الأمريكي، في حد ذاته، لا يجيب عن مستقبل الحرب في السودان، لكنه يضيف قطعة جديدة إلى المشهد؛ إذ يكشف أن واشنطن لا تعيد فقط إدارة أزماتها في المنطقة، بل تعيد أيضًا ترتيب شبكة شركائها وأدوات نفوذها.
وحين توضع هذه الإشارة إلى جانب ما سبقها من تطورات في تشاد، وما سيلحقها من تحركات خليجية وعسكرية ودبلوماسية، تبدأ ملامح لوحة أكبر في التشكل.
إنها ليست لوحة حرب فقط، وإنما لوحة إعادة تشكيل للإقليم بأكمله، وهي العملية التي قد تحدد، في نهاية المطاف، الإطار الذي ستتحرك داخله أي تسوية مستقبلية في السودان.
الإشارة الثالثة… عندما تتحرك الجيوش قبل الدبلوماسية
اعتادت القوى الكبرى، عبر تجارب تاريخية عديدة، أن تعيد ترتيب ميزان الردع قبل أن تبدأ في ترتيب طاولات التفاوض.
ففي الأزمات الإقليمية المعقدة، لا تتحرك الدبلوماسية وحدها، كما لا يتحرك العسكري بمعزل عن السياسة. وغالبًا ما تكون التحركات العسكرية رسالة تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة التي ستعمل داخلها الجهود السياسية، أكثر من كونها مقدمة لمواجهة جديدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التعزيزات العسكرية الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة أعلنت أن هذه التحركات تأتي في إطار حماية قواتها ومصالحها، وضمان أمن الملاحة، ورفع مستوى الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية. وهذه أهداف معلنة ترتبط بمجمل التوترات في المنطقة، ولا توجد معطيات تشير إلى أن هذه التحركات موجهة إلى السودان أو مرتبطة بالحرب السودانية بصورة مباشرة.
لكن أهمية هذه التحركات بالنسبة للسودان تكمن في أمر آخر.
فالحرب السودانية لم تعد تدور داخل حدودها الجغرافية فقط، بل أصبحت تتحرك داخل فضاء استراتيجي يبدأ من البحر الأحمر، ويمر بالقرن الأفريقي، ويمتد إلى الخليج والساحل الأفريقي. وكلما أعادت الولايات المتحدة ضبط حضورها العسكري أو شبكة ردعها في هذا الفضاء، فإنها تؤثر – بصورة غير مباشرة – في البيئة الأمنية والسياسية التي تتحرك داخلها الأزمة السودانية.
ولعل اللافت أن هذه التعزيزات العسكرية جاءت متزامنة مع نشاط دبلوماسي مكثف، سواء في العواصم الخليجية أو في الاتصالات المتعلقة بعدد من الملفات الإقليمية، وهو ما يعكس أن المقاربة الأمريكية الحالية لا تقوم على القوة وحدها، ولا على التفاوض وحده، وإنما على الجمع بين أدوات الردع وأدوات الدبلوماسية.
وهنا تظهر الإشارة الثالثة.
فإذا كانت الإشارة الأولى قد تعلقت بإعادة ترتيب المحيط الغربي للسودان عبر تشاد، والإشارة الثانية عكست تعميق الشراكة الأمريكية مع الإمارات، فإن الإشارة الثالثة تتصل بإعادة ضبط البيئة الأمنية للإقليم بأكمله.
ولا يعني ذلك أن المنطقة تتجه بالضرورة إلى تصعيد جديد، بل قد يعني العكس تمامًا. ففي كثير من الأحيان، تسعى القوى الكبرى إلى تعزيز أدوات الردع من أجل خلق بيئة أكثر استقرارًا تسمح بإطلاق مسارات سياسية تقلل من احتمالات الانفجار.
وبالنسبة للسودان، فإن هذا التطور يضيف عنصرًا جديدًا إلى القراءة الاستراتيجية؛ إذ يشير إلى أن أي تسوية مستقبلية لن تتأثر فقط بمواقف الأطراف السودانية، وإنما أيضًا بمستوى الاستقرار أو التوتر في الإقليم الذي يحيط بها.
فكلما اقتربت المنطقة من معادلة ردع أكثر توازنًا، ازدادت فرص انتقال الملفات الإقليمية من ساحات المواجهة إلى موائد التفاوض. أما إذا اتجه الإقليم إلى مزيد من التصعيد، فإن ذلك سيعقد أي محاولة لدفع الأزمة السودانية نحو تسوية مستدامة.
ومن هنا، تبدو التحركات العسكرية الأمريكية، في هذا التوقيت، جزءًا من قراءة أوسع لمستقبل المنطقة، لا باعتبارها عنوانًا للحرب، بل باعتبارها أحد العوامل التي قد ترسم حدود السلام الممكن.
الإشارة الرابعة… عندما تتقاطع مسارات الخليج
في الأزمات الإقليمية الممتدة، لا تكمن أهمية التحركات الدبلوماسية في وقوعها فقط، وإنما في توقيتها، واتجاهها، وطبيعة الأطراف التي تقوم بها.
فخلال الفترة الأخيرة، لم يكن النشاط الخليجي مجرد سلسلة من الزيارات الرسمية المعتادة، بل بدا أقرب إلى حراك متصل تتداخل فيه المصالح الأمنية مع الحسابات السياسية، في وقت يواجه فيه الإقليم واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات.
زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى دولة الكويت لم تكن حدثًا معزولًا عن هذا السياق، كما أن التحركات السعودية، بما في ذلك النشاط الدبلوماسي الذي شمل زيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى جوبا، جاءت هي الأخرى في توقيت يشهد إعادة تنشيط للاتصالات المتعلقة بعدد من ملفات المنطقة، وفي مقدمتها السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ولا يعني هذا بالضرورة وجود مبادرة خليجية جديدة أُعلن عنها، كما لا يعني أن جميع العواصم الخليجية تتبنى رؤية واحدة في كل تفاصيل الملف السوداني. فلكل دولة أولوياتها وحساباتها وعلاقاتها الخاصة.
لكن ما يمكن ملاحظته هو أن مساحة الاهتمام بالسودان لم تتراجع، بل أصبحت جزءًا من رؤية أوسع تتعلق باستقرار الإقليم بأكمله.
وهنا تبدو نقطة التحول المهمة.
فعلى امتداد سنوات، كان يُنظر إلى السودان باعتباره أزمة قائمة بذاتها. أما اليوم، فإن المؤشرات توحي بأن المقاربة بدأت تتغير تدريجيًا، ليصبح السودان جزءًا من منظومة مترابطة تضم أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، وأوضاع الساحل، وأمن الممرات البحرية، والتوازنات الخليجية.
ومن هذا المنطلق، يصبح التنسيق بين العواصم الخليجية – حتى وإن اختلفت أدواته أو أولوياته – عنصرًا مؤثرًا في تشكيل البيئة السياسية التي ستتحرك فيها أي تسوية سودانية مستقبلية.
ولا ينبغي إغفال أن المملكة العربية السعودية لا تزال تحتفظ بدور محوري في رعاية المسارات السياسية الخاصة بالسودان، وفي مقدمتها منصة جدة، بينما تمتلك دولة الإمارات حضورًا مؤثرًا في عدد من الملفات الإقليمية المرتبطة بالسودان، سواء عبر القرن الأفريقي أو منطقة الساحل أو شبكة علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية.
وعندما تتزامن هذه التحركات مع إعادة بناء الشراكة الأمريكية مع الإمارات، واستمرار الاتصالات الأمريكية مع الرياض، والتحركات المرتبطة بتشاد والبحر الأحمر، فإن المشهد يبدو أكثر ترابطًا مما توحي به الأخبار اليومية.
وهنا تبرز الإشارة الرابعة.
ليست في أن جميع هذه الأطراف تتحرك وفق خطة واحدة معلنة، فذلك استنتاج لا تدعمه الوقائع المتاحة، وإنما في أن اتجاه الحركة نفسه أصبح أكثر وضوحًا؛ إذ تتزايد المؤشرات على أن القوى الإقليمية والدولية تسعى إلى بناء بيئة أكثر استقرارًا حول السودان، باعتبار أن أي تسوية سياسية قابلة للحياة لن تنجح إذا بقي الإقليم المحيط بها غارقًا في التنافس والاضطراب.
وهذه الفكرة ربما تفسر لماذا تتسارع التحركات في أكثر من عاصمة في الوقت نفسه، ولماذا تبدو ملفات الخليج، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والساحل الأفريقي، أكثر تشابكًا من أي وقت مضى.
فالسلام، في كثير من الأحيان، لا يبدأ من داخل ساحة الصراع، وإنما من إعادة ترتيب الإقليم الذي يحيط بها.
عندما تجتمع الإشارات… أي صورة ترسمها؟
حتى هذه اللحظة، قد تبدو كل إشارة مما سبق قابلة للتفسير بمعزل عن غيرها.
فزيارة الرئيس التشادي إلى الإمارات يمكن أن تُقرأ في إطار العلاقات الثنائية. والقرار الأمريكي الخاص بالإمارات يمكن اعتباره تطويرًا طبيعيًا للشراكة الاستراتيجية بين البلدين. والتحركات العسكرية الأمريكية لها مبرراتها المعلنة المرتبطة بالتوترات الإقليمية. أما النشاط الخليجي، فيمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا للدور التقليدي الذي تضطلع به دول الخليج في قضايا المنطقة.
لكن التحليل الاستراتيجي لا يكتفي بتفسير كل حدث على حدة، بل يبحث عن العلاقة بين الأحداث عندما تقع في الزمن نفسه، وداخل المجال الجغرافي نفسه، وبين أطراف تتقاطع مصالحها في ملف واحد.
وهنا تبدأ الصورة في التشكل.
فإذا وُضعت تشاد على الخريطة إلى الغرب من السودان، والبحر الأحمر إلى شرقه، والقرن الأفريقي إلى جنوبه الشرقي، والخليج العربي إلى شمال شرقه، ثم أضيفت إليها التحركات الأمريكية، يتبين أن السودان يقع في مركز مساحة جيوسياسية تشهد إعادة ترتيب متسارعة.
وهذا لا يعني أن كل تلك التحركات صُممت من أجل السودان، فمثل هذا الاستنتاج لا تؤيده الوقائع المتاحة. لكن المؤكد أن السودان أصبح أحد أهم الملفات التي تتأثر بما يجري في هذا المحيط، لأنه يمثل نقطة التقاء عدد من المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية التي يصعب الفصل بينها.
ولعل هذا ما يمنح التطورات الأخيرة معناها الأعمق.
فبدلاً من قراءة كل خبر باعتباره حدثًا مستقلًا، يصبح من الممكن النظر إليه باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية التي ستتحرك داخلها أزمات المنطقة، وفي مقدمتها الأزمة السودانية.
وهنا تكتسب التحليلات التي تناولت خلال الأسابيع الماضية احتمالات هدنة تمتد لتسعين يومًا، والجهود الدبلوماسية المتواصلة، والوثائق التي أثير حولها كثير من النقاش، دلالة مختلفة. فهي لا تصبح أدلة على قرب اتفاق، لكنها تتحول إلى مؤشرات على أن الملف السوداني لم يعد يُدار بالوتيرة نفسها التي سادت في المراحل السابقة.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ عادة بإعلان سياسي مفاجئ، وإنما تسبقها عملية هادئة لإعادة ترتيب موازين القوى، وتهيئة البيئة الإقليمية، وبناء التفاهمات بين الأطراف الأكثر تأثيرًا. وعندما تنضج هذه العناصر، تصبح المبادرات السياسية أكثر قابلية للحياة، حتى وإن استمرت الخلافات بين الأطراف المحلية.
من هذه الزاوية، قد يكون السؤال الأدق ليس: هل اقتربت التسوية في السودان؟
بل: هل تقترب البيئة الإقليمية من درجة من التوازن تسمح بأن تصبح التسوية ممكنة؟
فالفرق بين السؤالين كبير.
الأول يبحث عن موعد نهاية الحرب، أما الثاني فيبحث عن الشروط التي تجعل تلك النهاية قابلة للتحقق.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تقدمها الإشارات مجتمعة؛ فقبل أن تتغير مواقف المتحاربين، كثيرًا ما تتغير البيئة التي تحيط بهم. وقبل أن تُوقَّع الاتفاقات، تتبدل حسابات العواصم المؤثرة، وتتقاطع المصالح، وتُعاد صياغة أولويات الإقليم.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون نهاية الحرب، لكنه قد يكون بداية مرحلة مختلفة في طريقة إدارتها، وربما في طريقة البحث عن إنهائها.
… عندما يسبق الإقليمُ السلامَ
ربما لا تزال المعارك مستمرة، ولا تزال المواقف المعلنة متباعدة، ولا تزال طريق التسوية مليئة بالعقبات. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي فقط عندما يقرر المتحاربون التوقف عن القتال، وإنما عندما تصل القوى الإقليمية والدولية المؤثرة إلى قناعة بأن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من البحث عن سلام قابل للحياة.
ولهذا، فإن قراءة مستقبل السودان لا ينبغي أن تقتصر على متابعة ما يجري داخل حدوده، بل يجب أن تمتد إلى ما يحدث حوله. فالدول لا تتحرك في فراغ، والأزمات الكبرى لا تُدار بمعزل عن بيئتها الجيوسياسية.
لقد حاول هذا المقال أن يقرأ عددًا من الوقائع المعلنة: تحركات تشاد، والنشاط الخليجي، والتطور في الشراكة الأمريكية الإماراتية، والتعزيزات العسكرية الأمريكية، والجهود الدبلوماسية المتواصلة، بوصفها إشارات يمكن أن تساعد على فهم الاتجاه العام الذي تتحرك فيه المنطقة. ولا تعني هذه القراءة أن هناك اتفاقًا مكتملًا، أو تسوية أصبحت وشيكة، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى ما هو أكثر من تزامن الأحداث. لكنها تشير إلى احتمال آخر لا يقل أهمية: أن الإقليم نفسه قد يكون بصدد إعادة ترتيب أولوياته وتحالفاته، بما قد ينعكس على إدارة الأزمة السودانية خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تكتسب النقاشات التي دارت خلال الأشهر الماضية حول مبادرات التهدئة، وإمكانات الهدنة، والتحركات السياسية المتعددة، معنى مختلفًا. فربما لا تكون هذه التحركات هي التسوية ذاتها، وإنما مقدماتها، أو محاولة لتهيئة البيئة التي يمكن أن تسمح لها بالظهور عندما تنضج الظروف.
وقد تصدق هذه القراءة أو تخطئ، فذلك أمر ستكشفه تطورات الأيام المقبلة. غير أن ما يصعب تجاهله هو أن الإقليم من حول السودان يتحرك بوتيرة مختلفة، وأن إعادة تموضع القوى الفاعلة أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
ولعل السؤال الذي سيشغل المراقبين في المرحلة المقبلة لن يكون: متى تنتهي الحرب؟ بل: هل اكتملت الشروط الإقليمية والدولية التي تجعل إنهاءها ممكنًا؟
فالحروب لا تُحسم في ميادين القتال وحدها، كما أن السلام لا يُولد على طاولة المفاوضات وحدها. كلاهما يبدأ قبل ذلك، عندما تعيد الدول تعريف مصالحها، وتراجع تحالفاتها، وتعيد رسم خرائط النفوذ من حول بؤر الصراع.
وإذا كانت الإشارات التي تناولناها في هذا المقال تمثل بالفعل بدايات هذا التحول، فإن السودان قد يقف اليوم أمام مرحلة جديدة؛ ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن البيئة التي ستقرر مستقبلها ربما بدأت تتغير.
وهنا تبقى الحقيقة الأهم…
إن قراءة الأحداث خبرًا بخبر قد تجعلنا نرى حركة القطع على رقعة الشطرنج، أما قراءة الإشارات مجتمعة فقد تكشف لنا، للمرة الأولى، شكل الرقعة نفسها… والاتجاه الذي تتحرك إليه.











