الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : هل تبتلع الحرب أطراف السودان؟

خرطوم سبورت

 

هل تبتلع الحرب أطراف السودان؟

 

حين يصبح الصراع الداخلي تهديدًا للحدود والسيادة

 

إسماعيل شريف

 

ليست كل الحروب تُقاس بعدد المدن التي تسقط، ولا بحجم الدمار الذي تخلفه، ولا حتى بعدد الضحايا الذين يسقطون على خطوط النار. فهناك حروب تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ساحات القتال؛ إذ تستنزف مؤسسات الدولة، وتُضعف قدرتها على حماية مصالحها، وتفرض عليها أولويات تجعل كثيرًا من الملفات الإستراتيجية تتراجع إلى الهامش.

 

وهذا هو التحدي الذي يواجهه السودان اليوم.

 

فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، لم تعد آثار الصراع تقتصر على الخسائر الإنسانية والاقتصادية، ولا على الدمار الذي أصاب البنية التحتية ومؤسسات الدولة، بل بدأت تنعكس أيضًا على البيئة الإستراتيجية المحيطة بالسودان، وعلى طريقة تعاطيه مع الملفات التي تمس حدوده وسيادته وعلاقاته الإقليمية.

 

ولا يدّعي هذا المقال أن كل تطور في الملفات الحدودية هو نتيجة مباشرة للحرب، فلكل قضية سياقها القانوني والسياسي الخاص، ولكل نزاع جذوره التاريخية وتعقيداته المختلفة. لكنه يناقش سؤالًا أوسع وأكثر أهمية: كيف تؤثر الحروب الممتدة على قدرة الدول في إدارة ملفات السيادة، والدفاع عن مصالحها، والحفاظ على حضورها الإقليمي؟

 

وقد أعاد قرار المفوضية القومية للانتخابات في جمهورية جنوب السودان اعتماد إدارية أبيي ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2026 هذا السؤال إلى الواجهة، بعد أن أعلنت الحكومة السودانية رفضها القاطع للقرار، مؤكدة أنه يتعارض مع بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لعام 2011، إلى جانب قرار مجلس الأمن رقم (2046) لسنة 2012، الذي ينص على أن الوضع النهائي للمنطقة لا يُحسم إلا عبر التفاوض بين الدولتين.

 

ومن الناحية القانونية، يستند الموقف السوداني إلى مرجعيات واضحة ما تزال تحكم وضع أبيي حتى اليوم. لكن أهمية الحدث لا تكمن في الجانب القانوني وحده، وإنما في توقيته، وفي الرسائل التي يحملها حول البيئة الإقليمية التي تتحرك بينما لا تزال الدولة السودانية منشغلة بحرب تستنزف معظم قدراتها.

 

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل أصبحت الحرب عاملًا يحد من قدرة السودان على إدارة ملفاته السيادية بالكفاءة التي تتطلبها المرحلة؟

 

تجارب الدول تشير إلى أن الحروب الطويلة لا تستنزف الجيوش والاقتصادات فحسب، بل تستنزف أيضًا القدرة على المبادرة السياسية، وتُضعف الحضور الدبلوماسي، وتدفع الدولة إلى تركيز معظم مواردها واهتمامها على إدارة الأزمة الداخلية. وفي المقابل، تستمر الملفات الخارجية في التحرك وفق إيقاعها الطبيعي، بينما تتغير موازين القوى في الإقليم، وتتطور الوقائع على الأرض، دون أن تنتظر انتهاء الصراعات الداخلية.

 

وفي هذا السياق، لا تبدو قضية أبيي حدثًا منفصلًا، بل جزءًا من مشهد أوسع يضم ملفات حدودية وسيادية أخرى، لكل منها خصوصيته القانونية والسياسية، لكنها جميعًا تتطلب دولة متماسكة، ومؤسسات مستقرة، ودبلوماسية نشطة، وقرارًا وطنيًا موحدًا قادرًا على حماية المصالح العليا للبلاد.

 

فملف أبيي ما يزال ينتظر تسوية نهائية وفق المرجعيات المتفق عليها، وملف الفشقة ظل حاضرًا في العلاقات السودانية الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة، بينما يبقى مثلث حلايب موضع خلاف معلن بين السودان ومصر وفق المواقف الرسمية للطرفين. وهذه الملفات، على اختلاف طبيعتها، يجمعها عامل واحد، هو أنها لا تُدار فقط بالنصوص القانونية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على الحضور السياسي، واستمرار مؤسساتها، وفاعلية أدواتها الدبلوماسية.

 

ومن هنا، فإن أخطر ما قد تُنتجه الحروب ليس فقط ما تهدمه في الداخل، وإنما ما تفرضه من تراجع في قدرة الدولة على حماية مصالحها الإستراتيجية. فالسيادة لا تُقاس بخطوط مرسومة على الخرائط وحدها، بل تُقاس أيضًا بقدرة الدولة على ممارسة وظائفها، والدفاع عن حقوقها، والتفاوض من موقع قوة، والحفاظ على حضورها في محيط إقليمي سريع التغير.

 

الحرب وصناعة الفراغ الإستراتيجي

 

ليست كل آثار الحروب مرئية للعين. فبينما تنشغل وسائل الإعلام بعدد الضحايا، ومساحات الدمار، وحركة الجبهات، تنشأ في الخلفية خسائر أكثر هدوءًا، لكنها أشد تأثيرًا على مستقبل الدول. ومن أخطر هذه الخسائر ما يمكن تسميته بـ”الفراغ الإستراتيجي”.

 

ولا يعني هذا الفراغ غياب الدولة أو انهيارها، وإنما تراجع قدرتها على المبادرة، وانشغال مؤسساتها بإدارة الأزمات اليومية على حساب التخطيط بعيد المدى، ومتابعة الملفات التي تحتاج إلى حضور سياسي ودبلوماسي متواصل.

 

فعندما تتحول الحرب إلى واقع ممتد، تصبح الأولوية لحماية المدن، وتأمين الخدمات، وتوفير الموارد، وإدارة العمليات العسكرية. وهي جميعها مهام تفرض نفسها على أي دولة تواجه صراعًا داخليًا. لكن في المقابل، تستمر البيئة الإقليمية في التحرك، وتتغير موازين القوى، وتُطرح مبادرات جديدة، وتتطور ملفات الحدود والمياه والتجارة والأمن، بينما تجد الدولة المنهكة نفسها مضطرة إلى التفاعل مع هذه المتغيرات تحت ضغط الوقت والظروف.

 

وفي العلاقات الدولية، لا تعرف السياسة الفراغ. فالدول والمنظمات الإقليمية والدولية تواصل إدارة مصالحها وفق رؤاها وحساباتها، وليس انتظارًا لانتهاء أزمات الآخرين. وهذه ليست سمة خاصة بالسودان، بل قاعدة عامة تحكم سلوك الدول في النظام الدولي.

 

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في أن دول الجوار تتحرك، فهذا أمر طبيعي، وإنما في مدى قدرة السودان على أن يكون حاضرًا ومؤثرًا في هذه التحولات، وأن يديرها من موقع المبادرة لا من موقع رد الفعل.

 

لقد كان السودان، بحكم موقعه الجغرافي، لاعبًا مهمًا في القرن الأفريقي وحوض النيل ومنطقة الساحل، وهو موقع يمنحه أهمية إستراتيجية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه مسؤوليات مضاعفة. فالدولة التي تتوسط هذا الإقليم لا تستطيع أن تنعزل عن محيطها، ولا أن تؤجل ملفاتها الإقليمية إلى أجل غير معلوم، لأن هذه الملفات تستمر في التطور سواء شاركت فيها بفاعلية أم فرضت عليها لاحقًا.

 

ولهذا، فإن قضية أبيي ينبغي أن تُقرأ بوصفها تذكيرًا بأهمية استعادة زمام المبادرة في إدارة الملفات السيادية، لا باعتبارها حدثًا معزولًا. فالقضية الأساسية ليست في القرار ذاته، وإنما في الحاجة إلى دولة تمتلك القدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي المستمر، بما يحفظ حقوقها ويصون مصالحها وفق المرجعيات القانونية المعتمدة.

 

إن أخطر ما تفعله الحروب الطويلة أنها تُحوّل الدولة من صانعٍ للأحداث إلى متلقٍ لها، ومن طرفٍ يبادر إلى طرفٍ ينشغل بإدارة تداعيات ما يفرضه الواقع. وكلما طال أمد هذا الوضع، أصبحت العودة إلى موقع المبادرة أكثر صعوبة، وأكثر كلفة.

 

ولذلك، فإن استعادة السلام ليست نهاية المعركة، بل بدايتها الحقيقية. فهي الخطوة التي تتيح للدولة أن تعيد ترتيب أولوياتها، وتستثمر في مؤسساتها، وتعيد تنشيط دبلوماسيتها، وتستعيد قدرتها على إدارة ملفاتها السيادية بثقة واستمرارية.

 

فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو مساحات، وإنما بما تملكه من قدرة على تحويل هذه المقومات إلى حضور سياسي مؤثر، وإلى سياسات تحفظ مصالحها في عالم سريع التحول.

 

الدولة أولًا… لأن الجغرافيا لا تدافع عن نفسها

 

لعل الدرس الأهم الذي تفرضه سنوات الحرب هو أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود في المعارك، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسكها وهي تواجه تلك المعارك. فالحروب، مهما كانت دوافعها، تعيد ترتيب الأولويات، وتستهلك الموارد، وتؤجل ملفات كان ينبغي أن تبقى حاضرة في صدارة الاهتمام الوطني.

 

ومن هذا المنظور، فإن الجدل الذي أثاره قرار إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه جرس إنذار يدعو إلى التفكير في الصورة الأكبر. فالسؤال ليس متعلقًا بأبيي وحدها، ولا بأي ملف حدودي آخر، وإنما بقدرة السودان على إدارة جميع قضاياه السيادية في ظل حرب ممتدة تستنزف طاقاته البشرية والاقتصادية والسياسية.

 

لقد أثبتت التجارب أن قوة الموقف القانوني تظل عنصرًا أساسيًا في الدفاع عن الحقوق، لكنها لا تكفي وحدها. فالحقوق تحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، ودبلوماسية يقظة، ورؤية وطنية بعيدة المدى، تستطيع أن تحول النصوص والاتفاقيات إلى مواقف مؤثرة، وأن تحافظ على حضور السودان في كل القضايا التي تمس مستقبله.

 

ولا يعني ذلك أن السودان فقد حقوقه، أو أن مآلات هذه الملفات قد حُسمت، فهذه استنتاجات لا تدعمها الوقائع. لكن المؤكد أن استمرار الحرب يجعل إدارة هذه الملفات أكثر تعقيدًا، ويقلص هامش المبادرة، ويزيد من كلفة أي تأخير في معالجتها.

 

ولهذا، فإن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفًا إنسانيًا أو اقتصاديًا فحسب، على أهميتهما، بل باعتباره استحقاقًا إستراتيجيًا يتعلق بقدرة الدولة على استعادة وظائفها كاملة، وعلى العودة إلى ممارسة دورها الطبيعي في حماية حدودها، وصون سيادتها، والدفاع عن مصالحها الوطنية.

 

إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يستعيد عافيته عبر دولة موحدة ومؤسسات قوية وسلام مستدام، وإما أن يظل أسير حرب تستنزف مقدراته عامًا بعد عام، بينما تتراكم حوله تحديات لا تعترف بانتظار المتأخرين.

 

وفي النهاية، قد يختلف السودانيون حول السياسة، وحول السلطة، وحول شكل التسوية المنشودة، لكنهم لا يختلفون على حقيقة واحدة: أن الحفاظ على الدولة هو الشرط الأول للحفاظ على الأرض. فالجغرافيا لا تدافع عن نفسها، والاتفاقيات لا تنفذ نفسها، والحدود لا يحرسها القانون وحده، بل تحرسها دولة حاضرة، ومؤسسات قوية، وإرادة وطنية تدرك أن أعظم انتصار بعد كل حرب هو أن يبقى الوطن قادرًا على حماية مستقبله كما يحمي حاضره.

 

ما الذي ينبغي أن تفعله الدولة؟

 

إذا كانت الحرب قد فرضت على السودان أولويات عاجلة لا يمكن تجاهلها، فإن ذلك لا يعني أن الملفات السيادية يمكن أن تُدار بمنطق ردود الأفعال فقط. فالدول التي تنجح في تجاوز الحروب هي تلك التي تحافظ، حتى في أصعب الظروف، على رؤية إستراتيجية تتجاوز المعركة اليومية.

 

ومن هنا، فإن حماية المصالح العليا للسودان تتطلب العمل في عدة مسارات متوازية.

 

أولها، إعادة الاعتبار للدبلوماسية بوصفها خط الدفاع الأول عن الحقوق السيادية. فالقضايا المرتبطة بالحدود والاتفاقيات الدولية لا تُحسم بالبيانات وحدها، وإنما تحتاج إلى حضور دائم في المنظمات الإقليمية والدولية، وإلى خطاب قانوني وسياسي متماسك، وإلى متابعة لا تنقطع لكل تطور يمس هذه الملفات.

 

وثانيها، بناء توافق وطني يجعل قضايا السيادة محل إجماع، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي. فالخلاف حول إدارة الدولة أمر طبيعي، أما الخلاف حول حقوق الدولة وحدودها فيجب أن يظل خارج دائرة التجاذبات، لأن قوة الموقف الخارجي تبدأ من وحدة الموقف الداخلي.

 

وثالثها، الاستثمار في مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك جيشًا قادرًا على حماية الحدود فحسب، بل التي تمتلك أيضًا مؤسسات قانونية، وإدارية، ودبلوماسية، واقتصادية، تعمل بكفاءة وتتكامل أدوارها في حماية المصالح الوطنية.

 

وأخيرًا، يبقى السلام هو الأساس الذي تُبنى عليه كل هذه الجهود. فليس المقصود إنهاء الحرب فقط، بل الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة. ذلك أن الدولة التي تستعيد السلام تستعيد معها القدرة على التخطيط، وعلى المبادرة، وعلى توجيه مواردها نحو المستقبل بدلًا من استنزافها في مواجهة الأزمات المتلاحقة.

 

إن التحدي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في الدفاع عن موقف قانوني في قضية بعينها، وإنما في استعادة القدرة على إدارة جميع ملفاته الوطنية من موقع الدولة المستقرة والواثقة من نفسها. وعندها فقط، تصبح حماية الحدود نتيجة طبيعية لقوة الدولة، لا مهمة تُفرض عليها تحت ضغط الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى