
قوات الدعم السريع… هل تم فك الشفرة المعقدة؟
إسماعيل شريف
قبل سنوات، وفي وقت كانت فيه قوات الدعم السريع تتمدد بهدوء داخل المشهد السوداني، نشرت مقالًا بعنوان “قوات الدعم السريع… من يفك الشفرة المعقدة؟”. لم يكن الهدف يومها الدفاع عن هذه القوة أو مهاجمتها، وإنما محاولة فهم ظاهرة سياسية وعسكرية بدت عصية على التصنيف؛ فهي ليست جيشًا بالمعنى التقليدي، وليست مليشيا بالمعنى المتعارف عليه، كما أنها لم تكن مجرد ذراع أمنية عابرة يمكن الاستغناء عنها متى شاءت السلطة التي أنشأتها.
في ذلك الوقت، كانت القراءة تشير إلى أن قوات الدعم السريع تمثل إحدى أكثر الظواهر تعقيدًا في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، وأن فهم مستقبل السودان يمر حتمًا عبر فهم طبيعة هذه القوة، وحدود علاقتها بالمؤسسة العسكرية، وبنظام الإنقاذ الذي أنشأها، وبالقوى السياسية التي أخذت تتقاطع معها.
اليوم، وبعد حرب أبريل 2023 وما ترتب عليها من انهيار غير مسبوق لمؤسسات الدولة، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل تم فك الشفرة المعقدة؟ أم أن الحرب كشفت جانبًا منها فقط بينما بقيت بقية الأسرار طي الكتمان؟
إن القراءة التي أقدمها هنا لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنما هي محاولة لإعادة ترتيب الوقائع في سياق واحد، مستندة إلى سنوات من المتابعة اللصيقة، وإلى قراءة لتفاعلات المؤسسات ومراكز صنع القرار خلال تلك المرحلة.
وأول ما يلفت الانتباه أن كثيرًا من التحليلات انشغلت بالسؤال: كيف نشأت قوات الدعم السريع؟ بينما ربما كان السؤال الأهم هو كيف تطورت علاقتها بمن أنشأها؟
لماذا أُنشئت قوات الدعم السريع؟
يصعب فهم مسار قوات الدعم السريع دون العودة إلى الظروف التي سبقت ميلادها. فقد كان التفسير الرسمي يربط ظهورها بالحاجة إلى قوة سريعة الحركة لمواجهة التمرد المسلح في إقليم دارفور، حيث كانت طبيعة الحرب تختلف عن الحروب التقليدية التي خاضها الجيش السوداني. ولم يكن هذا التفسير يخلو من الوجاهة، لكنه لم يكن كافيًا لتفسير كل ما حدث لاحقًا.
فمع مرور الوقت، تجاوزت قوات الدعم السريع حدود المهمة التي أُنشئت من أجلها. توسعت صلاحياتها، وتعددت مسارح انتشارها، وتنامت مواردها، حتى أصبحت لاعبًا مؤثرًا في المعادلة الأمنية والسياسية، لا مجرد قوة مساندة.
ومن خلال متابعة تلك المرحلة، بدا أن الرئيس عمر البشير كان يدرك أن استقرار حكمه لم يعد يعتمد على مؤسسة واحدة، بل على إيجاد توازن بين مراكز القوة المختلفة. فالصراعات داخل الحزب الحاكم، والتباينات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، جعلت من توزيع القوة أحد أدوات إدارة السلطة. وفي هذا السياق، اكتسبت قوات الدعم السريع أهمية تتجاوز دورها العسكري، لتصبح عنصرًا في معادلة التوازن بين المؤسسات.
ولعل المفارقة الكبرى أن القوة التي أُنشئت لحماية الدولة، أو على الأقل لحماية النظام القائم آنذاك، تحولت مع مرور الزمن إلى مركز قوة مستقل يمتلك حساباته الخاصة، وهو ما أعاد تشكيل المشهد السياسي والعسكري بأكمله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل كانت هذه النتيجة متوقعة؟
يصعب الجزم بذلك. غير أن كثيرًا من المؤشرات توحي بأن بعض دوائر السلطة كانت تنظر إلى الدعم السريع باعتباره أداة مرحلية يمكن توجيهها أو احتواؤها متى اقتضت الضرورة، بينما أثبتت السنوات اللاحقة أن موازين القوة لا تبقى ثابتة، وأن الأدوات التي تُمنح النفوذ والموارد قد تتحول مع الزمن إلى أطراف تمتلك إرادتها الخاصة.
من حماية النظام إلى البحث عن موقع جديد
إذا كان إنشاء قوات الدعم السريع قد ارتبط بحسابات نظام الإنقاذ، فإن سقوط ذلك النظام وضع هذه القوة أمام سؤال وجودي ما هو موقعها في السودان الجديد؟
فسقوط الرئيس عمر البشير لم يكن يعني سقوط رأس السلطة فحسب، بل انهيار المظلة السياسية التي منحت الدعم السريع شرعيته وأدواره وحدود حركته. ومنذ تلك اللحظة، دخلت جميع مراكز القوة في السودان مرحلة إعادة التموضع، ولم تكن قوات الدعم السريع استثناءً.
وهنا تبرز فرضية أراها جديرة بالنقاش إن التحول الحقيقي لم يبدأ بتأسيس الدعم السريع، وإنما بدأ يوم فقدت هذه القوة مرجعيتها السياسية الأولى.
فالحديث عن امتلاك الدعم السريع قوة عسكرية كبيرة لا يعني بالضرورة امتلاكه مشروعًا متكاملًا لإدارة الدولة. فإدارة الدول لا تقوم على السلاح وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات مدنية، وخبرات إدارية، وأجهزة تنفيذية، وقاعدة سياسية تمنحها الشرعية وتوفر لها الكوادر القادرة على إدارة الوزارات والخدمات والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
ولهذا أميل إلى الاعتقاد بأن الدعم السريع، منذ سقوط نظام الإنقاذ، لم يكن يبحث فقط عن تثبيت وجوده العسكري، بل كان يبحث أيضًا عن مظلة سياسية تستطيع أن تسد هذا الفراغ.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة مراحل التقارب مع بعض القوى المدنية، ثم لاحقًا ظهور تحالفات جديدة، باعتبارها محاولات للعثور على شريك سياسي، أكثر من كونها تعبيرًا عن اندماج فكري أو أيديولوجي كامل.
وفي المقابل، فإن الخطاب الذي تبناه أنصار الحرب سعى إلى اختزال هذه العلاقة في معادلة بسيطة تقول إن الدعم السريع و”قحت” كانا مشروعًا واحدًا. غير أن المشهد السياسي السوداني كان أكثر تعقيدًا من هذا الاختزال. فالتحالفات التي نشأت بعد سقوط البشير لم تكن ثابتة، وكانت تتغير بتغير موازين القوى والمصالح، وهو ما يجعل من الصعب تفسير كل ما جرى بعلاقة ثنائية بين طرفين فقط.
وهنا أعود إلى الفرضية التي انطلقت منها في هذا المقال و نجح الدعم السريع في البقاء داخل المظلة السياسية التي أنشأته، أو لو أعيد إنتاج تلك العلاقة في صيغة جديدة بعد سقوط البشير، فربما كان مسار الصراع سيختلف. لا أطرح ذلك باعتباره حقيقة تاريخية، وإنما باعتباره قراءة تستند إلى متابعة طويلة لطبيعة العلاقة بين مراكز القوة داخل الدولة السودانية، وكيف أدى تفككها إلى انتقال الصراع من السياسة إلى السلاح.
هل أخطأ الإسلاميون في قراءة الدعم السريع؟
إذا صحت الفرضية بأن نظام الإنقاذ أنشأ قوات الدعم السريع لتؤدي وظائف محددة في مرحلة معينة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل اعتقد صناع هذا القرار أن هذه القوة ستظل دائمًا أداة يمكن التحكم فيها؟
من خلال متابعة المشهد خلال السنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ، ثم ما أعقب سقوطه، تبدو الإجابة أقرب إلى الإيجاب. فقد ساد لدى كثيرين انطباع بأن الدعم السريع، رغم تضخم قوته، سيظل مرتبطًا بالمنظومة التي أوجدته، وأنه متى ما تغيرت الظروف السياسية، سيكون من الممكن إعادة دمجه أو احتواؤه أو حتى تفكيكه دون تكلفة كبيرة.
لكن الأحداث سارت في اتجاه مختلف تمامًا.
فالقوة التي مُنحت الموارد، والاستقلال المالي، والانتشار الواسع، والعلاقات الخارجية، لم تعد تنظر إلى نفسها باعتبارها مجرد قوة مساندة، وإنما بدأت تتصرف بوصفها لاعبًا رئيسيًا في معادلة السلطة.
وهنا برزت معادلة جديدة لم تكن حاضرة عند التأسيس: كلما ازدادت قوة الدعم السريع، تراجعت قدرة الآخرين على التحكم في مساره.
وهذا ما يجعلني أعتقد أن الأزمة لم تكن في وجود الدعم السريع وحده، وإنما في سوء تقدير جميع الأطراف لطبيعة التحول الذي طرأ عليه. فالتيار الإسلامي -وفق هذه القراءة- ربما اعتقد أن هذه القوة ستظل تدور في فلكه، بينما اعتقدت قوى مدنية أنها تستطيع توظيفها لتحقيق توازن مع المؤسسة العسكرية، ورأت أطراف أخرى إمكانية استيعابها عبر التسويات السياسية.
لكن ما حدث لاحقًا أظهر أن الدعم السريع لم يكن يريد أن يكون مجرد ورقة في يد الآخرين، بل أصبح يسعى إلى تثبيت موقعه كفاعل مستقل يملك قراره ومشروعه.
ومن هنا يمكن فهم سلسلة التحالفات التي خاضها خلال السنوات التالية، ليس باعتبارها تحالفات عقائدية أو ثابتة، وإنما باعتبارها محاولات مستمرة للبحث عن الشرعية السياسية التي توازي القوة العسكرية.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي بدأنا به: هل كان الدعم السريع يمتلك مشروعًا متكاملًا لإدارة الدولة؟
في تقديري، لا.
فامتلاك السلاح شيء، وامتلاك الدولة شيء آخر. وإدارة الدول لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى جهاز إداري، وخدمة مدنية، ومؤسسات اقتصادية، ونخب سياسية، وخبرة في إدارة العلاقات الداخلية والخارجية. ولهذا ظل الدعم السريع، في مختلف المراحل، يبحث عن مظلة سياسية توفر له ما لا يستطيع السلاح وحده أن يوفره.
هل تم فك الشفرة المعقدة؟
بعد كل ما جرى، قد يبدو للبعض أن الشفرة أصبحت واضحة، وأن الحرب أجابت عن كل الأسئلة. لكنني لا أعتقد ذلك.
فالذي انكشف ليس كل الشفرة، وإنما جزء منها.
لقد أثبتت الأحداث أن قوات الدعم السريع لم تكن مجرد قوة عسكرية عابرة، كما لم تكن دولة مكتملة الأركان. كانت كيانًا نما داخل الدولة حتى أصبح قادرًا على منافستها، لكنه ظل في الوقت نفسه يبحث عن الغطاء السياسي والإداري الذي يمكنه من تحويل القوة العسكرية إلى مشروع حكم.
وفي المقابل، أخطأت معظم القوى السياسية في قراءة طبيعة هذا التحول. فالإسلاميون -وفق هذه القراءة- تعاملوا مع الدعم السريع باعتباره امتدادًا يمكن استعادته متى شاءوا، بينما رأت فيه بعض القوى المدنية شريكًا يمكن أن يحقق توازنًا مع المؤسسة العسكرية. أما المؤسسة العسكرية نفسها، فقد وجدت نفسها في مواجهة قوة كانت شريكًا في السلطة ثم أصبحت منافسًا عليها.
وهكذا، وجد السودان نفسه أمام مشهد غير مسبوق؛ جيش يمتلك الدولة ولا يسيطر على كل أدوات القوة، وقوة عسكرية تمتلك السلاح والنفوذ والموارد لكنها لا تمتلك وحدها مقومات إدارة الدولة، وقوى سياسية منقسمة، وإقليم تتشابك فيه المصالح، ومجتمع يدفع الثمن الأكبر.
وهنا، ربما تكمن الإجابة عن السؤال الذي طرحته قبل سنوات.
لم تكن الشفرة المعقدة هي قوات الدعم السريع وحدها، بل كانت العلاقة بين القوة العسكرية والسلطة السياسية في السودان.
فعندما كانت هذه العلاقة تُدار داخل منظومة واحدة، ظلت التناقضات كامنة تحت السطح. لكن ما إن انهارت تلك المنظومة بعد سقوط نظام الإنقاذ، حتى خرجت التناقضات إلى العلن، وتحول الصراع من تنافس داخل مراكز السلطة إلى حرب مفتوحة مزقت الدولة وأرهقت المجتمع.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يتعلمه السودانيون من هذه التجربة، هو أن بناء الدول لا يقوم على موازنة السلاح بالسلاح، ولا على إنشاء قوى موازية لمواجهة قوى أخرى، وإنما على مؤسسات وطنية واحدة، تخضع جميعها لسلطة القانون والدستور، لأن تعدد مراكز القوة قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يمنعه.
لقد سألت قبل سنوات: من يفك الشفرة المعقدة؟
واليوم، وبعد الحرب، أستطيع أن أقول إن بعض رموز الشفرة قد انكشفت، لكن الكتاب لم يُغلق بعد. فما تزال هناك أسئلة تنتظر الإجابة، ووثائق لم تُكشف، وشهادات لم تُرو، وحقائق سيحتاج المؤرخون سنوات طويلة لتجميعها.
أما السودان، فما يزال يدفع ثمن تلك الشفرة كل يوم.











