الاخبار

ضياء الدين بلال يكتب : وداعاً جوليا.. ما لا يُقال…!

خرطوم سبورت

 

وداعاً جوليا.. ما لا يُقال…!
ضياء الدين بلال

رغم الضجة الكبيرة التي أثارها فيلم وداعاً جوليا، وما ناله من جوائز، وما حظي به من اهتمام نقدي وجماهيري واسع، لم تتح لي فرصة مشاهدة الفيلم كاملاً إلا خلال زيارتي الأخيرة إلى القاهرة.

في شقة الصديق هيثم كابو بالدقي، وعقب تناول وجبة الإفطار، وجدته -وهو الناقد الفني والكاتب الصحفي والإداري الرياضي- يفتح قناة «يوتيوب» على شاشة التلفاز لمشاهدة الفيلم للمرة الثالثة، كما قال لي.

وأصدقكم القول، لم تكن لدي حماسة كبيرة لمتابعة الدراما السودانية فغالب التجارب التي شاهدتها في السابق لم تكن تغري بالاستمرار، ولا تستحق إنفاق الوقت والجهد البصري على أعمال تفتقر إلى الأفكار المثيرة للاهتمام، وتخلو -في كثير من الأحيان- حتى من الحد الأدنى من المتعة والحبكة الدرامية. وربما كان الاستثناء يتمثل في بعض الأعمال الإذاعية القديمة، وفي المقاطع الفكاهية الحديثة التي تحمل قدراً كبيراً من الطرافة والذكاء.

غير أن الصور البصرية الآسرة والإيقاع التشويقي الهادئ دفعاني إلى مشاركة كابو تلك المشاهدة الصباحية الممتعة.

يناقش الفيلم قضية سياسية بالغة الأهمية، هي انفصال جنوب السودان، مقرونة بالأحداث التي أعقبت مقتل جون قرنق. وقد جاء ذلك في إطار اجتماعي بسيط ومباشر، لكنه في الوقت ذاته ثري بالرمزيات والدلالات العميقة.

لقد أثبت لي الفيلم، رغم عملي في الصحافة السياسية لأكثر من ربع قرن، أنني لم أكن أحيط علماً كافياً بالمبررات الإنسانية والاجتماعية العميقة التي جعلت غالبية الجنوبيين المقيمين في الشمال يصوتون لخيار الانفصال بنسبة تجاوزت تسعين في المئة.

لقد أوضح لي وداعاً جوليا أن التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها الكاميرات السياسية، ولا ترصدها التحليلات الكبرى، هي التي دفعت كثيراً من الجنوبيين إلى اختيار الانفصال.

وقبل سنوات قال الكاتب والدبلوماسي فرنسيس مدينق دينق إن ما يفرقنا ليس ما يُقال، بل ما لا يُقال.
ولعل هذه العبارة تختصر جوهر الفيلم إذ إن المساحات الصامتة، والآلام المكتومة، والإهانات اليومية الصغيرة، كانت أكثر أثراً في تشكيل الوعي الجمعي من الخطب السياسية والشعارات الكبرى.

ولو أن مساحة الحرية الإبداعية في بلادنا كانت أوسع، وتسمح بتناول مثل هذه القضايا المختبئة في التفاصيل الاجتماعية الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة، لتمكنا من تحقيق قدر أكبر من الاستشفاء الوطني، ولواجهنا كثيراً من أمراضنا المزمنة، وفي مقدمتها العنصرية.

لقد قدم وداعاً جوليا جرعات تبصيرية ذكية ودقيقة لأمراض خبيثة ظلت تنخر بصمت في وجداننا الجمعي، حتى جاءت لحظة الفجيعة الكبرى، وبدأت معها أعمدة البناء الوطني في التصدع .

الشخصيات بدت حقيقية إلى حد بعيد، وعبرت بصدق وتلقائية عن مقاصد الفيلم، دون افتعال أو خروج عن السياق الدرامي.
أما السيناريو فجاء محكماً وسلساً ومشوقاً، بعيداً عن المفاجآت المجانية أو الانعطافات المفتعلة، إذ يقود المشاهد عبر التفاصيل الصغيرة إلى رؤية الأزمة في صورتها الكاملة، وكأنه ينظر إليها من كاميرا علوية ترصد الأبعاد والآثار الخفية، وتكشف مكامن العلل التي ظلت كامنة تحت السطح.

كما أن الحوار جاء عميقاً رغم بساطته، تتسرب من خلاله إشارات وإيحاءات تكشف العالم السري للأشياء، وتفتح أبواباً واسعة للتأمل والتفكير.

أما الممثلون، من الجنوب والشمال، فقد أدوا أدوارهم باحترافية لافتة، وأظهروا تمكناً كبيراً في تجسيد شخصياتهم دون تكلف أو مبالغة، وهي إحدى الآفات التي ظلت تلازم كثيراً من الأعمال الدرامية السودانية وتحد من قدرتها على التطور.

وأرجو أن يكون وداعاً جوليا بداية حقيقية لانطلاقة جديدة للدراما السودانية، سينمائياً وتلفزيونياً، نحو أعمال تمتلك الشجاعة لكشف الجوانب المعتمة والمخيفة في مجتمعنا، بدلاً من الهروب منها أو تجميلها. وأن لا يظل الفيلم مجرد طفرة استثنائية عابرة، سرعان ما تنطفئ، لنعود بعدها إلى ما اعتدناه من سذاجة درامية وتبسيط مخل للقضايا الكبرى.
فالأمم لا تتعافى بإنكار جراحها، وإنما تبدأ رحلة شفائها حين تمتلك الشجاعة للنظر في مرآتها بصدق، وهو ما فعله وداعاً جوليا بجدارة واستحقاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى