الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : بين القاهرة والخرطوم… ماذا يخبرنا الزمن عن إدارة الامتحانات؟

خرطوم سبورت

 

 

بين القاهرة والخرطوم… ماذا يخبرنا الزمن عن إدارة الامتحانات؟

 

إسماعيل شريف

 

في إدارة التعليم، لا يُقاس النجاح فقط بحسن تنظيم الامتحانات، وإنما أيضًا بالزمن الذي تستغرقه الدولة بين آخر ورقة امتحان وأول لحظة يطالع فيها الطالب نتيجته.

 

في مصر، بدأت امتحانات الثانوية العامة يوم 14 يونيو 2026، وانتهت يوم 16 يوليو 2026، ثم أعلنت وزارة التربية والتعليم النتيجة رسميًا في 28 يوليو 2026، أي بعد نحو خمسة عشر يومًا فقط من انتهاء آخر امتحان، رغم أن عدد الطلاب يقترب من 800 ألف طالب.

 

أما في السودان، فقد بدأت امتحانات الشهادة الثانوية يوم 13 أبريل 2026، وانتهت يوم 23 أبريل 2026، وشارك فيها نحو 564 ألف طالب وطالبة داخل السودان وخارجه. وحتى الآن، تتجه التوقعات إلى إعلان النتيجة في نهاية أغسطس أو مطلع سبتمبر، أي بعد أكثر من أربعة أشهر من بداية الامتحانات، وما يزيد على أربعة أشهر من انتهاء آخر جلسة امتحان.

 

المقارنة هنا ليست لإدانة تجربة أو تمجيد أخرى، وإنما لطرح سؤال مهني بسيط: لماذا يحتاج نظام تعليمي يضم عددًا أقل من الطلاب إلى فترة أطول بكثير لإعلان النتيجة؟

 

قد يقال إن الحرب هي السبب، وهذا صحيح جزئيًا. فقد فرضت الحرب تحديات تتعلق بمراكز الامتحانات، ونقل أوراق الإجابة، وتوزيعها على مراكز التصحيح، وإجراء الامتحانات في الداخل والخارج.

 

لكن هذا التفسير لا يكفي وحده.

 

فالذاكرة السودانية تحتفظ بحقيقة لا يمكن تجاوزها: التأخير في إعلان نتائج الشهادة الثانوية كان سمة ملازمة للعملية الامتحانية حتى قبل اندلاع الحرب. وكانت الأسر السودانية تعيش كل عام أسابيع طويلة، وأحيانًا شهورًا، في انتظار النتيجة، بينما كان طلاب دول أخرى ينتقلون إلى مرحلة القبول الجامعي في وقت أقصر.

 

وهذا يعني أن جذور المشكلة أقدم من الحرب، وأنها ترتبط ببنية إدارة الامتحانات نفسها.

 

ربما يعود ذلك إلى مركزية التصحيح، وتعدد مراحل المراجعة، والاعتماد على إجراءات ورقية تستغرق وقتًا طويلًا، وضعف توظيف التقنيات الحديثة في إدارة الكنترولات، وغياب جدول زمني مُعلن وملزم لكل مرحلة من مراحل التصحيح والرصد والمراجعة والاعتماد.

 

والأهم من ذلك كله، أن الزمن لم يُعامل بوصفه مؤشرًا للأداء المؤسسي. ففي المؤسسات الحديثة، يُقاس النجاح ليس فقط بدقة النتيجة، وإنما أيضًا بسرعة إنجازها. أما حين يصبح التأخير أمرًا معتادًا، فإن المؤسسة تتوقف عن مساءلة نفسها، ويتوقف المجتمع عن مساءلتها.

 

ليست الدعوة هنا إلى التسرع على حساب الدقة، ولا إلى اختصار المراجعات التي تضمن حقوق الطلاب، وإنما إلى مراجعة شاملة لسلسلة الإجراءات التي تفصل بين انتهاء الامتحان وإعلان النتيجة، والبحث عن كل يوم يمكن اختصاره دون المساس بجودة العمل.

 

فالزمن ليس رقمًا على التقويم، بل هو جزء من جودة الخدمة العامة، واحترام لخطط الأسر، ولمستقبل الطلاب، ولثقة المجتمع في مؤسساته.

 

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل وزارة التربية والتعليم بعد انتهاء كل موسم امتحانات هو: كم يومًا استغرقنا؟ ولماذا؟ وهل يمكن أن ننجز المهمة في زمن أقل العام المقبل؟

 

فحين يصبح الزمن معيارًا للمحاسبة، تبدأ المؤسسات في التطور. أما حين يصبح التأخير عادة، فإننا لا نؤجل إعلان النتائج فقط، بل نؤجل إصلاح المؤسسة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى