الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : ما بين معركة جبل موية ومعارك كردفان… كيف أعاد الميدان تشكيل خطاب حميدتي؟

خرطوم سبورت

 

ما بين معركة جبل موية ومعارك كردفان…

كيف أعاد الميدان تشكيل خطاب حميدتي؟

إسماعيل شريف

ليست الحروب ساحات تتغير فيها خرائط السيطرة وحدها، بل تتغير فيها اللغة أيضًا. فكل تقدم أو تراجع في الميدان يترك أثره على الخطاب السياسي والعسكري، ويعيد ترتيب الأولويات، ويغير طبيعة الرسائل الموجهة إلى الأنصار والخصوم والحلفاء. لذلك، فإن قراءة خطابين يفصل بينهما نحو عام من الحرب ليست قراءة لنصين منفصلين، وإنما قراءة لتحول الصراع نفسه.

من هذا المنطلق، تبدو المقارنة بين خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي أعقب معركة جبل موية، وخطابه الأخير بعد التطورات التي شهدتها جبهات كردفان، فرصة لفهم كيف أعاد الميدان تشكيل الخطاب، وكيف انعكست التحولات العسكرية على اللغة السياسية، وطبيعة الرسائل، وأولويات المتحدث.

بعد معركة جبل موية، كتبت مقالًا بعنوان “حميدتي يلقي خطبة الوداع”. لم يكن المقصود يومها التنبؤ بنهاية الرجل أو قواته، وإنما توصيف التحول الذي طرأ على بنية الخطاب في تلك اللحظة، حيث بدا منشغلًا بتفسير الانتكاسة، والدفاع عن الموقف، وتقديم رواية مضادة لما جرى على الأرض.

أما اليوم، وبعد عام تقريبًا، فإن العودة إلى الخطاب الأخير لا تهدف إلى مقارنة العبارات أو المفردات، بل إلى الإجابة عن سؤال أكثر أهمية هل تغير حميدتي، أم أن الحرب هي التي فرضت عليه خطابًا جديدًا؟

هل كتب الميدان الخطابين؟

يصعب فهم أي خطاب سياسي أو عسكري إذا عُزل عن الظروف التي أُنتج فيها. فالمتحدث هو ذاته، لكن البيئة الاستراتيجية تغيرت، وخريطة العمليات تغيرت، كما تغيرت طبيعة الضغوط الداخلية والخارجية.

في خطاب ما بعد جبل موية، انصب الاهتمام على تفسير ما حدث، وتبرير الموقف، والدفاع عن خيارات المرحلة السابقة. أما في الخطاب الأخير، فقد بدا التركيز منصبًا على إدارة مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية، والرسائل الموجهة إلى الداخل مع تلك الموجهة إلى الخارج.

ولا يتعلق الأمر هنا باختلاف في الأسلوب بقدر ما يتعلق باختلاف في طبيعة المرحلة. فالخطاب ليس نصًا معزولًا، وإنما استجابة لواقع ميداني متغير، يعيد تشكيل أولويات قائله كلما تبدلت موازين القوى.

ومن هنا يمكن القول إن الميدان لم يكن مجرد خلفية للخطابين، بل كان أحد أهم العوامل التي صاغت مضمونهما وحددت اتجاهاتهما.

هل تغير الخصوم… أم تغيرت الرسائل؟

في إحدى قراءاتي المبكرة لمسار الحرب، طرحت فكرة أن حميدتي لم يعد يواجه خصمًا عسكريًا واحدًا، بل شبكة معقدة من الخصومات السياسية والعسكرية والاجتماعية، وهو ما عبرت عنه آنذاك بعنوان “الخصوم الخمسة”.

واليوم، عند قراءة الخطاب الأخير، يبدو أن زاوية النظر تغيرت. فلم يعد التركيز منصبًا على تعريف الخصوم أو تعدادهم، وإنما على إدارة العلاقة مع مختلف الفاعلين في الأزمة.

فالخطاب حمل رسائل متزامنة إلى المقاتلين، وإلى الحاضنة الاجتماعية، وإلى القوى السياسية، وإلى الأطراف الإقليمية، وإلى المجتمع الدولي. وهو ما يعكس انتقالًا من مرحلة توصيف البيئة المحيطة إلى مرحلة محاولة التأثير فيها.

وهنا لا تلغي “الرسائل الخمس” فرضية “الخصوم الخمسة”، بل تكملها. فإذا كانت الأولى تصف طبيعة التحديات، فإن الثانية تكشف الكيفية التي يحاول بها الخطاب التعامل مع تلك التحديات وإعادة ترتيب الأولويات.

ماذا قال… وماذا آثر ألا يقول؟

في تحليل الخطابات السياسية والعسكرية، لا تكمن القيمة في رصد العبارات الأكثر تداولًا فحسب، وإنما في فهم طريقة بناء الخطاب، وترتيب أولوياته، والرسائل التي يختار إبرازها، وتلك التي يكتفي بالإشارة إليها أو يتجاوزها تمامًا.

وبالمقارنة بين خطاب ما بعد معركة جبل موية والخطاب الأخير، يمكن ملاحظة أن التحول لم يكن في المفردات وحدها، بل في بنية الخطاب نفسها.

ففي الخطاب الأول، هيمنت محاولة تفسير ما جرى، وتقديم رواية للأحداث، والدفاع عن الخيارات السابقة. أما الخطاب الأخير، فقد اتسعت دائرته ليخاطب أكثر من جمهور في آن واحد؛ المقاتلين، والحاضنة الاجتماعية، والقوى السياسية، والأطراف الإقليمية، والمجتمع الدولي. وهذا التعدد في المخاطبين يعكس إدراكًا بأن الحرب لم تعد تُدار بالسلاح وحده، وإنما بالرسائل أيضًا.

كما يلاحظ أن ترتيب الموضوعات تغير بصورة لافتة. فبدلًا من التركيز على معركة بعينها، اتجه الخطاب إلى تقديم رؤية أشمل لمسار الصراع، بما يوحي بأن الاهتمام انتقل من تفسير حدث ميداني إلى إدارة مرحلة كاملة من الحرب.

ولا تقل أهمية الموضوعات التي لم تحظَ بمساحة واسعة في الخطاب. ففي تحليل الخطاب، قد تكون طريقة تناول قضية ما، أو تقليص حضورها، أو تجاوزها، مؤشرًا على تغير الأولويات أو على رغبة المتحدث في ترك مساحة للحركة السياسية أو العسكرية في المرحلة المقبلة.

ولذلك، فإن قراءة الخطابين لا ينبغي أن تقتصر على المقارنة بين ما قيل فيهما، بل تمتد إلى فهم الكيفية التي أعيد بها ترتيب الرسائل، وتحديد الجمهور المستهدف، وما تكشفه هذه التغييرات عن تطور البيئة التي يتحرك فيها الخطاب.

الخطاب… سلاح موازٍ للميدان

من الخطأ النظر إلى الخطابات السياسية والعسكرية باعتبارها مجرد تعليق على ما يجري في ساحات القتال. ففي الحروب الحديثة، أصبح الخطاب أحد أدوات إدارة الصراع، لا يقل أهمية عن التحرك الميداني في التأثير على اتجاهات الرأي العام، والحفاظ على تماسك الأنصار، وإرسال الإشارات إلى الخصوم والحلفاء.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الخطابين بوصفهما جزءًا من إدارة المعركة، لا مجرد وصف لها. فكل خطاب يسعى إلى بناء رواية، وتعزيز الثقة داخل الصفوف، والتأثير في حسابات الأطراف الأخرى، وإيصال رسائل تتجاوز حدود ساحة القتال.

ولذلك، فإن السؤال لا يقتصر على ماذا أراد حميدتي أن يقول؟ بل يمتد إلى لمن أراد أن يقول ذلك؟ ولماذا اختار هذا التوقيت؟ وما الذي كان يسعى إلى تحقيقه من خلال ترتيب رسائله على هذا النحو؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقود إلى نتيجة أوسع، وهي أن تطور الخطاب لم يكن حدثًا منفصلًا عن تطور الحرب، بل كان أحد انعكاساتها المباشرة. فكلما تغيرت موازين القوى، تغيرت اللغة، وتبدلت الأولويات، وأعيدت صياغة الرسائل بما يتناسب مع مقتضيات المرحلة.

ماذا تقول المقارنة عن الحرب… لا عن حميدتي؟

قد يظن البعض أن المقارنة بين الخطابين هي في جوهرها مقارنة بين مرحلتين في المسار السياسي والعسكري لمحمد حمدان دقلو، غير أن القراءة الأعمق تقود إلى نتيجة مختلفة؛ فالتغير الأكبر لم يكن في شخصية المتحدث، وإنما في طبيعة الحرب نفسها.

فالحروب الطويلة لا تستنزف الجيوش والموارد فحسب، بل تعيد تشكيل الخطاب السياسي، وتفرض على جميع الأطراف مراجعة حساباتها، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتغيير اللغة التي تخاطب بها أنصارها وخصومها وحلفاءها.

ومن هنا، فإن ما نرصده بين خطاب جبل موية والخطاب الأخير ليس تحولًا معزولًا، بل جزء من مسار أوسع فرضته تطورات الميدان. فالقيادة التي كانت تتحدث في مرحلة عن معركة محددة، أصبحت تتحدث عن حرب ممتدة، والرسائل التي كانت تركز على تفسير الماضي، أصبحت تتجه نحو إدارة الحاضر والاستعداد لما قد تفرضه المرحلة المقبلة.

كما تكشف المقارنة أن العلاقة بين الميدان والخطاب ليست علاقة أحادية الاتجاه. فالميدان يعيد تشكيل الخطاب، والخطاب بدوره يسعى إلى التأثير في الميدان، عبر رفع المعنويات، أو طمأنة الحاضنة، أو مخاطبة الفاعلين الإقليميين والدوليين، أو ترك أبواب مفتوحة أمام خيارات سياسية محتملة.

وهذا ما يجعل الخطابات السياسية والعسكرية وثائق تستحق الدراسة، لا بوصفها تسجيلًا لمواقف آنية، وإنما باعتبارها مرآة تعكس التحولات التي تمر بها الحروب، وتكشف جانبًا من تفكير القيادات في كل مرحلة.

عندما كتبت عقب معركة جبل موية، كان السؤال هل تسلم الجرة؟ وكان المقصود أن الحرب دخلت مرحلة تتسع فيها دائرة الخصوم وتتداخل فيها المصالح، بما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية مباشرة.

واليوم، وبعد معارك كردفان والخطاب الأخير، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق بمن كسب جولة أو خسر أخرى، وإنما بما إذا كانت الحرب نفسها قد دخلت طورًا جديدًا، تتراجع فيه أهمية الشعارات لصالح إدارة الصراع، وتتقدم فيه الرسائل السياسية إلى جانب التحركات العسكرية.

وربما تكون أهم نتيجة تكشفها المقارنة بين الخطابين أن الحروب لا تغيّر خرائط السيطرة وحدها، بل تغيّر اللغة أيضًا. فكل مرحلة تفرض مفرداتها، ولكل تحول ميداني أثره في ترتيب الأولويات، وفي طبيعة الرسائل التي يوجهها الفاعلون إلى الداخل والخارج.

ولهذا، فإن قراءة الخطابات لا ينبغي أن تنحصر في البحث عن العبارات المثيرة أو المواقف الآنية، بل يجب أن تمتد إلى فهم السياق الذي أنتجها، والظروف التي أحاطت بها، والاتجاهات التي تكشف عنها.

وبين جبل موية وكردفان، لا تبدو أهمية المقارنة في أنها ترصد اختلاف خطابين فحسب، بل في أنها تقدم نافذة لفهم كيف أعادت الحرب تشكيل لغة السياسة، وكيف أصبح الخطاب، شأنه شأن الميدان، جزءًا من معادلة الصراع نفسها.

ولعل هذا هو الدرس الأهم في الحروب، قد تسبق الكلمات أحيانًا الرصاص، لكنها في النهاية تظل ابنة الميدان، تعكس تحوّلاته أكثر مما تصنعها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى