الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : السلطة والسوق.. قراءة في التمكين الاقتصادي خلال عهد الإنقاذ

خرطوم سبورت

 

السلطة والسوق..

قراءة في التمكين الاقتصادي خلال عهد الإنقاذ

 

إسماعيل شريف

 

نادراً ما تستند السلطة إلى القوة السياسية وحدها؛ فالتجارب التاريخية تُظهر أن الاقتصاد كان، في كثير من الأحيان، أحد أدوات صناعة النفوذ واستدامته. كما أن قوة الدول لا تُقاس بطول بقاء حكوماتها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات واقتصاد قادرين على الاستمرار.

 

وحين تتداخل السلطة مع السوق، لا تتغير خريطة الاستثمار فحسب، بل تتبدل أيضًا قواعد المنافسة، وتُعاد صياغة العلاقة بين الدولة ورأس المال، وبين القرار السياسي والفرصة الاقتصادية.

 

ومن هذا المنطلق، تبدو قضية التمكين الاقتصادي خلال عهد الإنقاذ واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في التجربة السودانية الحديثة؛ لأنها لا ترتبط فقط بالسياسات الاقتصادية، وإنما بطبيعة العلاقة التي نشأت بين السلطة والموارد والسوق.

 

فعلى امتداد ثلاثة عقود، انصرف جانب كبير من النقاش العام إلى التمكين بوصفه سياسة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، خصوصًا الخدمة المدنية والأجهزة العامة. غير أن هذا الفهم، على أهميته، لا يكتمل دون النظر إلى البعد الاقتصادي؛ أي كيف أعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق، وكيف أثرت السياسات العامة في توزيع الفرص والامتيازات داخل الاقتصاد.

 

ولا يسعى هذا المقال إلى محاكمة مرحلة سياسية أو إصدار أحكام على أشخاص وشركات، وإنما يحاول فهم الكيفية التي يمكن أن تتحول بها السياسات الاقتصادية إلى جزء من مشروع السلطة، وأن تترك آثارًا تتجاوز عمر الأنظمة نفسها.

 

وتُظهر التجارب الدولية أن الحكومات قد تتغير، بينما تبقى المؤسسات الاقتصادية وشبكات المصالح أكثر قدرة على الاستمرار. ولذلك، فإن دراسة التمكين الاقتصادي لا تنتمي فقط إلى قراءة الماضي، بل ترتبط بسؤال المستقبل: كيف تُبنى سوق تقوم على المنافسة العادلة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون؟

 

ومن منظور الاقتصاد السياسي، يحاول هذا المقال قراءة التجربة السودانية عبر تحليل العلاقة بين السلطة والسوق، وبين السياسات العامة وآثارها الاقتصادية، بعيدًا عن منطق الإدانة أو التبرير.

 

فالسؤال الأساسي ليس: من ربح أو خسر؟ وإنما: كيف تشكلت قواعد اللعبة الاقتصادية؟ وما الدروس التي يمكن أن يستفيد منها السودان في بناء اقتصاد أكثر عدالة وكفاءة؟

 

الاقتصاد… حين يصبح جزءًا من مشروع السلطة

 

لم تنظر تجربة الإنقاذ، منذ سنواتها الأولى، إلى الاقتصاد باعتباره قطاعًا منفصلًا عن السياسة أو مجرد أداة لتحقيق النمو، بل ارتبطت إدارة الاقتصاد آنذاك برؤية أوسع لدور الدولة وعلاقتها بالمجتمع والسوق.

 

فلم يكن استقرار السلطة يعتمد على مؤسسات الحكم التقليدية وحدها، وإنما احتاج أيضًا إلى موارد اقتصادية، وشبكات إنتاج وتمويل، وقدرة على إدارة القطاعات المؤثرة في حياة المجتمع.

 

ومن هنا، لم تعد السياسات الاقتصادية تُقاس بآثارها على الإنتاج والتجارة فقط، بل أيضًا بقدرتها على التأثير في موازين القوة داخل المجتمع. فقرارات التمويل، والاستثمار، والدعم، والاستيراد، لم تكن مجرد أدوات اقتصادية، وإنما عوامل تؤثر في البيئة التي تعمل فيها الأسواق، وفي توزيع الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.

 

ولهذا، فإن فهم التمكين الاقتصادي لا يبدأ من أسماء الشركات أو رجال الأعمال، وإنما من طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق. فكلما اتسع تأثير الدولة في توجيه الموارد والفرص، ازدادت أهمية القواعد المنظمة للمنافسة، وازدادت الحاجة إلى مؤسسات تضمن الحياد والشفافية.

 

ولا يعني ذلك أن تدخل الدولة في الاقتصاد يمثل مشكلة في حد ذاته؛ فالدول الحديثة تتدخل بدرجات مختلفة لدعم القطاعات الاستراتيجية، وتشجيع الاستثمار، وتصحيح اختلالات السوق.

 

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يتم هذا التدخل وفق قواعد معلنة ومتساوية للجميع، أم يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع الامتيازات داخل السوق؟

 

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التمكين الاقتصادي باعتباره أحد أبرز أبعاد تجربة الإنقاذ؛ لأنه لم يتعلق فقط بإدارة الاقتصاد، بل بالعلاقة بين السلطة والسوق، وبأثر هذه العلاقة في المنافسة، وهيكل الاقتصاد، وفرص الاستثمار.

 

من اقتصاد السوق إلى سوق الفرص

 

يقوم اقتصاد السوق، في جوهره، على مبدأ أساسي: أن يكون النجاح الاقتصادي نتيجة للكفاءة، وجودة الإدارة، والقدرة على الابتكار، لا نتيجة لاختلاف القواعد التي تحكم المنافسة. ولذلك، لا تُقاس عدالة السوق بتساوي النتائج بين جميع الفاعلين، وإنما بتكافؤ الفرص التي ينطلق منها المتنافسون.

 

غير أن الأسواق لا تعمل بمعزل عن الدولة؛ فحين يتسع دورها في التمويل، ومنح التراخيص، والإعفاءات، والعطاءات العامة، وسياسات الاستيراد والدعم، تصبح قراراتها قادرة على التأثير في موازين المنافسة.

 

وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تعقيدًا من مجرد تقييم أداء الشركات، إذ يمتد إلى طبيعة البيئة المؤسسية التي تعمل داخلها. فالمشكلة لا تكمن في نجاح مؤسسة اقتصادية بعينها، وإنما في مدى حياد القواعد التي تحدد فرص الوصول إلى الموارد والامتيازات.

 

فعندما تصبح هذه الفرص متفاوتة بين المستثمرين، تنتقل المنافسة تدريجيًا من ميدان الإنتاج إلى ميدان النفوذ، ويصبح النجاح مرتبطًا، إلى جانب الكفاءة، بقدرة الفاعلين على التعامل مع البيئة التنظيمية والسياسات العامة.

 

وتزداد حساسية هذه المسألة في القطاعات الاستراتيجية، مثل الغذاء والطاقة والدواء والخدمات المالية، لأنها ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. ولهذا تتدخل الحكومات في هذه القطاعات حول العالم، لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في وجود التدخل، بل في طبيعة هذا التدخل ومدى خضوعه لقواعد شفافة وعادلة.

 

وفي الحالة السودانية، اكتسبت هذه القطاعات أهمية خاصة بسبب تأثيرها المباشر في حياة المواطنين. ولذلك، فإن تقييم تجربة التمكين الاقتصادي لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: من استفاد؟ وإنما بالسؤال الأهم: هل أسهمت السياسات العامة في توسيع دائرة المنافسة، أم جعلت فرص الوصول إلى بعض الموارد والامتيازات أكثر ارتباطًا بمراكز النفوذ؟

 

وهنا يظهر جوهر القضية في إطار الاقتصاد السياسي؛ فالدولة يمكن أن تكون شريكًا في التنمية، ومنظمًا للسوق، وداعمًا للاستثمار، لكن نجاح هذا الدور يعتمد على قدرتها على الفصل بين إدارة الاقتصاد وإنتاج الامتيازات.

 

فكلما كانت القواعد واضحة، والمؤسسات مستقلة، والفرص متاحة للجميع، أصبح السوق أكثر قدرة على إنتاج الكفاءة والابتكار. أما حين تتداخل المنافسة مع النفوذ، فإن الاقتصاد يفقد جزءًا من قدرته على تخصيص الموارد بكفاءة، وتضعف الثقة التي يحتاجها الاستثمار للنمو.

 

الاحتكار… حين تصنعه القواعد

 

غالبًا ما يُنظر إلى الاحتكار باعتباره نتيجة مباشرة لسلوك الشركات وسعيها إلى تعظيم الأرباح، غير أن الاقتصاد السياسي يقدم قراءة أكثر تعقيدًا؛ إذ يرى أن الأسواق لا تُنتج الاحتكار وحدها، بل قد تسهم القواعد المنظمة والسياسات العامة في خلق بيئة تسمح بتركز القوة الاقتصادية.

 

فعندما تصبح فرص الوصول إلى التمويل، أو التراخيص، أو الإعفاءات، أو العقود الحكومية، متفاوتة بين الفاعلين الاقتصاديين، لا يعود النجاح قائمًا على الكفاءة وحدها، بل يتأثر أيضًا بطبيعة البيئة المؤسسية التي يعملون داخلها.

 

وعند هذه النقطة، تنتقل المنافسة تدريجيًا من ميدان الإنتاج إلى ميدان النفوذ؛ إذ يصبح القرب من مراكز القرار، أو القدرة على الوصول إلى الامتيازات التنظيمية، عاملًا مؤثرًا إلى جانب الخبرة ورأس المال والقدرة الإدارية.

 

ولهذا تميز أدبيات الاقتصاد السياسي بين الرأسمالية التنافسية التي يقوم النجاح فيها على الإنتاجية والابتكار، وبين رأسمالية المحاسيب التي تلعب فيها العلاقات والامتيازات دورًا متزايدًا في تحديد فرص النجاح.

 

ويرتبط بذلك مفهوم البحث عن الريع، وهو السعي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عبر الحصول على حماية أو امتيازات تنظيمية، بدلًا من الاعتماد فقط على تحسين الإنتاج أو تطوير القدرة التنافسية.

 

ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه المفاهيم يتطلب قدرًا من الدقة؛ فنجاح أي شركة في بيئة اقتصادية معينة لا يعني بالضرورة أنها قامت على الامتيازات وحدها، كما أن الاستفادة من ظروف مواتية لا تلغي بالضرورة وجود كفاءة إدارية أو إنتاجية.

 

ولهذا، فإن معيار التقييم الحقيقي لا ينبغي أن يكون نجاح شركة بعينها أو إخفاق أخرى، وإنما طبيعة القواعد التي يخضع لها جميع المتنافسين.

 

فالمشكلة ليست في وجود قطاع خاص قوي، بل في احتمال أن تؤدي بعض السياسات إلى منح أفضلية غير متاحة للجميع، بما يؤثر في عدالة المنافسة وكفاءة السوق.

 

ومن هنا، تؤكد التجارب المقارنة أن حماية المنافسة لا تتحقق بمجرد تشجيع الاستثمار، وإنما تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقواعد واضحة، وآليات رقابية تضمن أن يكون النجاح الاقتصادي نتيجة للإنتاج والابتكار، لا نتيجة لفوارق في الوصول إلى الفرص.

 

لماذا تبقى آثار السياسات؟

 

من أكثر التصورات شيوعًا الاعتقاد بأن تغير الأنظمة السياسية يعني، بالضرورة، نهاية السياسات الاقتصادية التي ارتبطت بها. غير أن التجارب المقارنة تشير إلى أن الاقتصاد يتحرك بإيقاع أبطأ من السياسة؛ فالحكومات قد تتغير خلال فترة قصيرة، بينما تحتاج الأسواق والمؤسسات وشبكات الإنتاج والتمويل إلى سنوات طويلة حتى تعيد تشكيل نفسها.

 

فالشركات لا تقوم على الأصول المادية وحدها، وإنما على ما تراكم لديها من خبرات، وعلاقات مصرفية، وشبكات توزيع، وسلاسل إمداد، وعقود وفرص سوقية. وهذه العناصر لا تختفي بمجرد تغير السلطة أو صدور قرارات جديدة، بل تظل مؤثرة في بنية الاقتصاد لفترات ممتدة.

 

ومن هنا، فإن تحدي المراحل الانتقالية لا يتمثل فقط في مراجعة سياسات الماضي، وإنما في إعادة بناء البيئة المؤسسية التي يعمل داخلها الاقتصاد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار القطاعات التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين.

 

وتكشف هذه الحقيقة أن بناء الأسواق أكثر تعقيدًا من تغيير الحكومات؛ فالمنافسة العادلة لا تُفرض بقرارات سياسية فقط، وإنما تُبنى عبر مؤسسات مستقلة، وتشريعات واضحة، وهيئات رقابية قادرة على حماية تكافؤ الفرص والحد من تركز النفوذ الاقتصادي.

 

ولهذا، فإن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون: كيف نزيل آثار الماضي؟ بل: كيف نبني مؤسسات تمنع إعادة إنتاج الاختلالات نفسها مستقبلًا؟

 

فالدول لا تحمي اقتصاداتها بتغيير الأشخاص وحده، وإنما بترسيخ قواعد تجعل المنافسة محكومة بالقانون، وتجعل الوصول إلى الفرص قائمًا على الكفاءة والقدرة الإنتاجية، لا على تغير موازين النفوذ.

 

وهذا هو الدرس الأعمق في دراسة التمكين الاقتصادي؛ فالسياسات قد تتغير، والفاعلون قد يتبدلون، لكن المؤسسات القوية وحدها هي القادرة على ضمان استقرار السوق، وحماية المنافسة، وبناء الثقة التي يحتاجها الاقتصاد للنمو.

 

الدولة بين التنمية والتمكين

 

ليس كل تدخل للدولة في الاقتصاد تمكينًا، كما أن نجاح القطاع الخاص لا يعني بالضرورة وجود امتيازات غير مشروعة. فالتجارب الاقتصادية الحديثة تؤكد أن الدولة يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في قيادة التنمية، ودعم القطاعات الاستراتيجية، وتشجيع الاستثمار، دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف المنافسة أو تشويه قواعد السوق.

 

فقد اعتمدت دول عديدة، خلال مراحل نهضتها الاقتصادية، على سياسات صناعية نشطة، وقدمت حوافز ضريبية وتمويلية، وحمت بعض الصناعات الوطنية في مراحل نموها الأولى، حتى أصبحت قادرة على المنافسة.

 

ولم تُعد هذه السياسات خروجًا على اقتصاد السوق، لأنها قامت على معايير معلنة، وأهداف قابلة للقياس، وآليات للمساءلة.

 

ومن هنا، فإن القضية الأساسية لا تتعلق بحجم تدخل الدولة، وإنما بطبيعة هذا التدخل. فحين تُمنح الحوافز وفق قواعد واضحة ومتاحة لكل من يستوفي شروطها، تصبح أداة لدعم الإنتاج ورفع القدرة التنافسية.

 

أما حين ترتبط الامتيازات بمعايير غير معلنة أو فرص غير متساوية، فإنها تتحول من أداة للتنمية إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل السوق.

 

ولهذا، فإن بناء اقتصاد تنافسي لا يتطلب انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، بل يتطلب أن تمارس دورها باعتبارها منظمًا للسوق وحاميًا لقواعد المنافسة، لا طرفًا يمنح الأفضلية لبعض المتنافسين على حساب آخرين.

 

فمسؤولية الدولة لا تكمن فقط في جذب الاستثمار، وإنما في توفير البيئة التي تجعل الاستثمار المنتج ممكنًا: قوانين واضحة، ومؤسسات مستقلة، ورقابة فعالة، وقواعد تطبق على الجميع بالقدر نفسه.

 

ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم تقييم أي تجربة اقتصادية هو: هل أسهمت السياسات العامة في توسيع دائرة الإنتاج والمنافسة، أم أدت إلى تضييقها؟

 

فالفارق بين سياسة تنموية وسياسة قائمة على الامتيازات يكمن في طبيعة القواعد التي تحكم الوصول إلى الفرص الاقتصادية.

 

إن الدولة الناجحة ليست تلك التي تسيطر على السوق بالكامل، ولا تلك التي تتركه دون تنظيم، وإنما تلك التي تخلق بيئة يستطيع فيها القطاع الخاص أن ينمو، ويستطيع المواطن أن يثق بأن المنافسة تقوم على الكفاءة والعمل والإنتاج.

 

من دروس الماضي إلى اقتصاد المستقبل

 

إذا كانت الحرب قد خلّفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية والاقتصاد السوداني، فإن التحدي الأكبر في مرحلة إعادة البناء لن يقتصر على توفير الموارد المالية، بل سيمتد إلى إعادة بناء الثقة؛ ثقة المستثمر في عدالة السوق، وثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وثقة المجتمع في أن القواعد الاقتصادية تُطبَّق على الجميع دون استثناء.

 

ولهذا، فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تُختزل في تشييد الطرق والمصانع واستقطاب رؤوس الأموال، على أهمية ذلك كله، بل يجب أن تبدأ بإعادة بناء البيئة المؤسسية التي يعمل في إطارها الاقتصاد. فوضوح القواعد، وحماية العقود، ومنع الاحتكار، وضمان تكافؤ الفرص، ليست إجراءات إدارية فحسب، بل هي الأساس الذي تقوم عليه أي تنمية مستدامة.

 

وتؤكد التجارب الدولية أن الدول لا تنهض بوفرة الموارد وحدها، وإنما بقدرة مؤسساتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وعدالة. فحين يطمئن المستثمر إلى أن النجاح يرتبط بالإنتاج والابتكار، لا بالنفوذ والعلاقات، تتجه رؤوس الأموال إلى الاستثمار طويل الأجل، ويصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو وخلق فرص العمل وتعزيز الاستقرار.

 

ومن هنا، فإن الدرس الأهم من تجربة التمكين الاقتصادي لا يتعلق فقط بكيفية تقييم مرحلة تاريخية مضت، بل بكيفية بناء علاقة جديدة بين الدولة والسوق. فالدولة القوية ليست التي تنافس القطاع الخاص، ولا تلك التي تنسحب من الاقتصاد، وإنما الدولة التي تضع قواعد عادلة، وتحمي المنافسة، وتضمن أن يكون القانون هو المرجعية العليا في تنظيم النشاط الاقتصادي.

 

وبالمثل، فإن بناء اقتصاد أكثر عدالة لا يعني استبدال شبكات نفوذ بأخرى، ولا إعادة توزيع الامتيازات بين فاعلين جدد، بل يعني تأسيس مؤسسات مستقلة، وسياسات شفافة، وآليات رقابية فعّالة تجعل الكفاءة والعمل والإنتاج الطريق الطبيعي للنجاح، وتجعل الفرص الاقتصادية متاحة وفق معايير موضوعية لا وفق موازين القوة أو القرب من دوائر القرار.

 

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم لا يقتصر على كيفية قراءة تجربة مضت، وإنما يمتد إلى كيفية تجنب إعادة إنتاجها. فالدول التي تتعلم من تاريخها لا تكتفي بتغيير الحكومات، بل تعمل على بناء قواعد تمنع تكرار الأخطاء، وتجعل قوة المؤسسات أعلى من قوة الأشخاص، وسيادة القانون أقوى من أي نفوذ عابر.

 

ولعل هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من التجربة السودانية؛ فمستقبل الاقتصاد لن تحدده وفرة الموارد وحدها، وإنما ستحدده جودة المؤسسات، وعدالة القواعد، وقدرة الدولة على أن تكون حَكَمًا بين المتنافسين لا طرفًا في المنافسة.

 

وعندما تصبح هذه المبادئ جزءًا من بنية الدولة، يتحول الاقتصاد من أداة لتوزيع النفوذ إلى محرك للتنمية، وتتحول السوق إلى فضاء تتنافس فيه الكفاءة والإنتاج والابتكار، لا الامتيازات والعلاقات. فالدول التي تحكمها القواعد تبني اقتصادًا قادرًا على الاستمرار، أما الدول التي تحكمها الامتيازات فتظل أسيرة دورات متكررة من الاختلالات، مهما تبدلت الحكومات أو تغيرت الوجوه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى