الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : هل هي مراجعة أم إعادة تموضع؟

خرطوم سبورت

 

هل هي مراجعة أم إعادة تموضع؟

إسماعيل شريف

في السياسة، لا توجد مصادفات كثيرة. لذلك فإن تزامن تصريحات الفريق أول ياسر العطا التي نفى فيها أي صلة للمؤسسة العسكرية بالمؤتمر الوطني، مع حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن أن الحوار السياسي لن يشمل المؤتمر الوطني ولا قوات الدعم السريع، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تقارب في المواقف، بل يبدو أقرب إلى رسالة سياسية يجري إعدادها بعناية لمرحلة ما بعد الحرب.

اللافت أن هذه الرسالة تأتي بعد سنوات ظل فيها خصوم المؤسسة العسكرية يتهمونها بأنها الحاضنة السياسية للحركة الإسلامية، وأن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر أعاد تمكينها داخل أجهزة الدولة، قبل أن تندلع حرب الخامس عشر من أبريل فتخلط جميع الأوراق. واليوم، ومع اقتراب الحديث عن ترتيبات سياسية جديدة، يصبح من الطبيعي أن يسعى كل طرف إلى إعادة تعريف موقعه أمام الداخل والخارج.

لكن المشكلة أن الذاكرة السياسية للشعب السوداني ليست قصيرة. فمن الصعب إقناع الرأي العام بأن صفحة كاملة من التاريخ يمكن طيها بمجرد تصريحات إعلامية، أو أن التحالفات التي حكمت المشهد خلال السنوات الماضية لم تكن موجودة أصلاً. فالتجارب السودانية علمتنا أن الوقائع أقوى من الخطابات، وأن الشعوب تحاكم السياسيين بما فعلوه لا بما يقولونه.

وفي المقابل، فإن اختزال الأزمة السودانية في المؤتمر الوطني وحده لا يكفي أيضاً. فالأزمة السودانية لم يصنعها حزب واحد، ولا يتحمل مسؤوليتها طرف واحد، وإنما هي حصيلة عقود من الصراع على السلطة، وتداخل العسكري بالمدني، وتغليب موازين القوة على قواعد السياسة، حتى أصبحت الدولة نفسها ساحةً للتنافس بين المشاريع المتصارعة.

لهذا، فإن المطلوب ليس إعلان البراءة من المؤتمر الوطني، وإنما بناء نظام سياسي يجعل عودة أي جهة إلى السلطة بوسائل غير ديمقراطية أمراً مستحيلاً. فالدولة التي تحميها المؤسسات والقانون لا تخشى الأحزاب، بينما الدولة التي تحكمها موازين القوة تظل أسيرة التحالفات المتبدلة.

وقد تكون هذه التصريحات بداية مراجعة حقيقية، وقد تكون مجرد إعادة تموضع فرضتها موازين الحرب واستحقاقات المرحلة المقبلة. لكن المؤكد أن السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، وأن أي تسوية لا تقوم على معالجة جذور الأزمة، لا مظاهرها، لن تصمد طويلاً.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: هل نحن أمام قناعة جديدة بأن زمن الإقصاء والانقلابات قد انتهى، وأن الاحتكام إلى الإرادة الشعبية هو الطريق الوحيد لبناء الدولة؟ أم أن ما يجري ليس سوى إعادة ترتيب للأوراق، استعدادًا لجولة جديدة من الصراع، تتبدل فيها الوجوه بينما تبقى قواعد اللعبة كما هي؟

التاريخ السوداني يقول إن الأزمات لا تُحل بتغيير اللاعبين، وإنما بتغيير قواعد اللعبة نفسها. وما لم يحدث ذلك، فإن كل مرحلة ستلد أزمتها، وكل حرب ستنجب حربًا أخرى، وسيظل الوطن هو الخاسر الأكبر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى