الاخبار

لقمان الكنزي يكتب : الاعلامي فلان الفلاني والإعلامية فلانة الفرتكانية.. الإعلامي بلا إعلام.. حين يصبح اللقب أكبر من المهنة..

خرطوم سبورت

 

الاعلامي فلان الفلاني والإعلامية فلانة الفرتكانية.. الإعلامي بلا إعلام.. حين يصبح اللقب أكبر من المهنة..

قلم جاف: لقمان الكنزي

لم يعد غريباً في زماننا ٣٤أن تستيقظ ذات صباح فتجد في محيطك إعلامياً أو إعلامية لم يسبق لك أن سمعت صوته عبر إذاعة أو قرأت له خبراً في صحيفة أو شاهدت له تقريراً تلفزيونياً أو عرفت له تجربة مهنية داخل مؤسسة إعلامية. ومع ذلك يحمل اللقب بثقة ويقدمه الاخرون للاسف باعتباره حقيقة لا تحتاج إلى دليل.

هذه الظاهرة التي بدأت تتسع بصورة لافتة تطرح سؤالاً مهنياً وأخلاقياً قبل أن تكون مسألة تتعلق بالألقاب:
متى يصبح الإنسان إعلامياً؟
ومن يمنحه هذه الصفة؟
وهل يكفي الظهور في وسائل التواصل الاجتماعي أو المشاركة في مناسبة إعلامية حتى يستحق صاحبها اللقب؟

الإعلام يا سادة مهنة قبل أن يكون وجاهة اجتماعية. والإعلامي الحقيقي لا تصنعه الصورة ولا بطاقة التعريف ولا كثرة المتابعين وإنما تصنعه المعرفة والممارسة والخبرة والقدرة على التعامل مع المعلومة بمهنية ومسؤولية.
المفارقة أن بعض الذين يطلقون على أنفسهم صفة إعلامي لم يمارسوا الإعلام يوماً بمعناه المهني. لا إعداد ولا تحرير ولا تقديم ولا مراسلة ولا إنتاج ولا عمل صحفي منتظم. وربما كانت تجربتهم الوحيدة منشورا على فيسبوك أو مقطعا مصورا أو ظهوراعابرافي فعالية.
وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين الإعلام المهني وصناعة المحتوى. فصانع المحتوى له دوره وأهميته وتأثيره لكن ليس بالضرورة أن يكون صحفيا أو مذيعا أو مراسلا. كما أن امتلاك منصة رقمية لا يمنح صاحبها تلقائياً صفة مهنية.

من يخدع هؤلاء؟
السؤال الأكثر إلحاحاً: هل هؤلاء الأشخاص يخدعون الجمهور أم أن هناك من يخدعهم؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة.
فبعضهم يمنح نفسه اللقب، وبعضهم يحصل عليه من المحيطين به بدافع المجاملة بينما تساهم بعض الجهات في تكريس الظاهرة عندما توزع شهادات التكريم والألقاب المهنية دون معايير واضحة.
ومع مرور الوقت تتحول المجاملة إلى قناعةوالقناعة إلى صفة والصفة إلى ممارسة وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.لأن من يعتقد أنه إعلامي قد يتحدث باسم المهنة أو ينشر معلومات باعتباره مصدرا إعلاميا أو يتدخل في قضايا عامة دون امتلاك الأدوات المهنية اللازمة وربما لا يدرك أن الكلمة الإعلامية مسؤولية وأن الخطأ الإعلامي قد تكون له آثار تتجاوز صاحبها.
الشهادة ليست المعيار الوحيد
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الشهادة الجامعية وحدها لا تصنع إعلامياً.
هناك إعلاميون صنعوا أنفسهم بالممارسة والخبرة والتدريب واكتسبوا مهاراتهم من غرف الأخبار والاستديوهات والميدان. وفي المقابل هناك خريجون من كليات الإعلام لم يدخلوا المهنة أصلاً.
إذن القضية ليست في الشهادة الاكاديمية التي يحملها الشخص وإنما في المعرفة والممارسة والكفاءة والالتزام بأخلاقيات المهنة.
الإعلامي هو من يستطيع أن يثبت أنه يمارس عملا إعلامياحقيقياً و لديه أدوات تخصصه و قادر على إنتاج مادة إعلامية تستوفي شروط المهنة.
الإعلام ليس لقبا

لقد آن الأوان للتعامل مع لقب إعلامي باعتباره وصفا مهنيا لا لقبا اجتماعيا.
فالمذيع يتعلم مهارات الإلقاء وإدارة الحوار والتحكم في الصوت ولغة الجسد والتعامل مع الكاميرا والميكروفون.
والمحرر يعرف كيف يبني الخبر ويفصل بين الرأي والمعلومة ويتحقق من المصادر ويضع العناوين ويوازن بين السرعة والدقة.
والمراسل يعرف كيف يعمل في الميدان وكيف يجمع المعلومات وكيف يتعامل مع المصادر وكيف يحافظ على سلامته وسلامة معلوماته.
والمعد يعرف كيف يبحث ويبني الفكرة ويصمم الأسئلة ويصنع البناء الدرامي للحلقة.
هذه ليست تفاصيل ثانوية وإنما هي جوهر المهنة.
تبدو الحاجة إلى تنظيم العمل الإعلامي أكثر إلحاحا الان من أي وقت مضى.
والتقنين المطلوب لا ينبغي أن يكون وسيلة لإقصاء المواهب أو احتكار المهنة لخريجي الإعلام وإنما إطارا يضع معايير واضحة لممارسة العمل الإعلامي ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام أصحاب المواهب والخبرات لاكتساب التأهيل والاعتماد المهني.
نحن بحاجة إلى معايير واضحة تتعلق بالتأهل والتدريب والخبرة والممارسة وأخلاقيات العمل والمسؤولية المهنية

حماية مهنة الإعلام لا تعني حماية مجموعة من الأشخاص وإنما حماية الجمهور أولا وحماية الحق في الحصول على معلومات دقيقة وحماية الإعلاميين المهنيين من أن يصبحوا في منافسة غير عادلة مع من يحصلون على الصفة بالمجاملة.
كما أن تنظيم المهنة يجب ألا يتحول إلى قيد على حرية التعبير فكل مواطن له الحق في التعبير عن رأيه لكن ممارسة العمل الإعلامي المهني تظل مسؤولية مختلفة تستوجب معايير وأخلاقيات.
وفي النهاية لا مشكلة في أن يقول شخص: أطمح لأن أصبح إعلاميا بل إن ذلك طموح مشروع ومحترم.
لكن المشكلة أن نقول لشخص لم يمارس الإعلام يوماً: أنت إعلامي ثم نطلب من الجمهور أن يتعامل مع هذه الصفة باعتبارها حقيقة مهنية.
فاللقب لا تصنعه المجاملة ولا تمنحه الصورة ولا تصنعه كثرة المتابعين.
الإعلامي تصنعه الممارسة ويثبت نفسه بالكفاءة ويحافظ على صفته بالمسؤولية.
ولهذا ربما آن الأوان لأن نسأل كل من يقدم نفسه للإعلام:
أين مارست المهنة؟ ماذا قدمت؟ ما تخصصك؟ وما الذي يجعلك تستحق أن تحمل صفة إعلامي؟
أسئلة تبدو قاسية لكنها في الحقيقة ليست أكثر من محاولة لإعادة الكلمة إلى معناها والمهنة إلى مكانتها واللقب إلى أصحابه.

مع جزيل الود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى