
حين تنتهي الحرب ويبدأ الحساب
إسماعيل شريف
ستنتهي الحرب، وإن طال أمدها، وسيأتي يوم يتوقف فيه نزيف الدم، مهما كانت كلفة الطريق إلى نهايته. لا أحد يستطيع الجزم بمن سيكسب نزال السلاح، ولا بالشكل الذي ستنتهي إليه المعركة، لكن الثابت أن لكل بداية نهاية، وأن الحروب، مهما امتدت، لا تستطيع أن توقف عقارب الزمن إلى الأبد.
وحين يعود الناس إلى ديارهم، أو إلى ما تبقى منها، لن يحملوا معهم وحدهم ذكريات الفقد والنزوح والخوف، بل سيحملون أيضًا ذاكرة أخرى، أكثر التصاقًا بتفاصيل حياتهم اليومية؛ ذاكرة المواقف التي عاشوها، والوجوه التي صادفوها، والأيدي التي امتدت إليهم، والأبواب التي أُغلقت في وجوههم وهم في أشد الحاجة إلى ملاذ آمن أو كلمة طيبة.
سيعود السؤال عن صاحب المنزل الذي استضاف نازحًا، أو استغل حاجته فرفع الإيجار إلى ما يفوق قدرته. وعن التاجر الذي راعى ظروف الناس، وآخر رأى في مأساتهم فرصة لمضاعفة أرباحه. وعن الغريب الذي اقتسم مع الآخرين ما يملك، والقريب الذي تنكر لواجب المروءة. وعن الذين طيّبوا الخواطر في ساعات الانكسار، وأولئك الذين سخروا من الجراح، أو تعاملوا مع معاناة الآخرين باعتبارها شأنًا لا يعنيهم.
ستعود هذه التفاصيل إلى الذاكرة، لا بوصفها حكايات عابرة من زمن الحرب، بل باعتبارها شواهد على حقيقة العلاقات الإنسانية حين تتعرى المصالح، وتسقط الأقنعة، ويجد الإنسان نفسه أمام امتحان لا تنفع فيه الشعارات ولا الادعاءات.
فالحرب لا تختبر الجيوش وحدها؛ إنها تختبر المجتمعات أيضًا، وتكشف المسافة بين ما يقوله الناس عن أنفسهم وما يفعلونه حين يصبح الآخر في حاجة إليهم. وقد يكتشف المرء، بعد سنوات من المعرفة، أن غريبًا لم يلتقِه إلا في محنة كان أقرب إليه من صديق قديم، وأن من اعتقد أنهم سندُه في الحياة لم يكونوا بالضرورة أول من وقفوا إلى جانبه حين اشتدت عليه الظروف.
ولن تكون العودة إلى الديار عودة جغرافية فحسب؛ ستكون، في جانب منها، عودة إلى تقييم العلاقات والمواقف والقناعات. سيعيد الناس النظر في صداقاتهم، وفي دوائر الثقة التي أحاطوا بها أنفسهم، وفي المعايير التي حكموا بها على الآخرين. وستتغير مكانة كثيرين في الذاكرة، لا بسبب ما قالوه بعد انقضاء الأزمة، وإنما بسبب ما فعلوه حين كانت الحاجة إلى المواقف أكبر من الحاجة إلى الكلمات.
غير أن الإنصاف يقتضي ألا تتحول هذه الذاكرة إلى محكمة جماعية، وألا تصبح المعاناة مبررًا لتعميم الأحكام أو اجترار الخصومات. فالناس ليسوا سواء، والظروف لا تكشف الجميع بالطريقة نفسها؛ فمنهم من بذل ما استطاع، ومنهم من عجز عن تقديم العون، ومنهم من اختار الانتهازية، ومنهم من دفع ثمنًا باهظًا لموقفه الإنساني. والتمييز بين العجز والتخاذل، وبين الحاجة والاستغلال، شرط أساسي لقراءة عادلة لما جرى.
لكن ما لا ينبغي أن تنجح الحرب في محوه هو حق الناس في تذكر ما حدث، واستخلاص الدروس منه. فالمجتمعات التي تتجاوز مآسيها من دون مراجعة حقيقية قد تستعيد حياتها ظاهريًا، لكنها تترك أسباب الانقسام كامنة تحت السطح. أما المجتمعات التي تواجه ذاكرتها بشجاعة، فتملك فرصة أوسع لإعادة بناء الثقة، وترميم الروابط التي مزقتها الحرب، وإقامة علاقات أكثر صدقًا وعدالة.
إن إعادة الإعمار لن تقتصر على تشييد المنازل وإصلاح الطرق واستعادة الخدمات؛ فثمة بناء آخر لا يقل أهمية، هو بناء الثقة بين الناس. وهذه لا تُفرض بقرار، ولا تُستعاد بخطاب عاطفي، وإنما تحتاج إلى الاعتراف بالحقوق، ورد المظالم، واحترام الكرامة الإنسانية، والتمييز بين من أخطأ ومن أحسن، بعيدًا عن الانتقام والتشفي.
ستنتهي الحرب يومًا، وسيعود الناس إلى تفاصيل الحياة التي حُرموا منها طويلًا. لكن ما سيبقى في الذاكرة لن يكون فقط صوت الرصاص ومشاهد الدمار، بل أيضًا من وقفوا مع الناس حين ضاقت بهم الأرض، ومن استثمروا في ضعفهم، ومن حفظوا كرامتهم، ومن جعلوا مأساتهم فرصة للكسب أو السخرية.
وعندها، لن يحتاج كثيرون إلى خطب طويلة لتقييم الآخرين؛ فالمواقف التي عايشوها ستكون أبلغ من كل خطاب، والذاكرة ستحتفظ بما قد تحاول الكلمات اللاحقة تجميله أو إنكاره.
ستنتهي الحرب، لكن آثارها لن تنتهي بانتهاء المعارك. فهناك حروب تنتهي على الأرض، وأخرى تظل مفتوحة في الذاكرة، حتى تستعيد الحقيقة مكانها، ويعرف كل إنسان أن ما يفعله بالآخرين في أوقات ضعفهم قد يكون أكثر ما يتذكرونه عنه في أوقات قوتهم.










