
المعدّنون ضحايا الانسانية
✒️ سلوى أحمد موية
منطقة شمال الوادي الواقعة على الحدود السودانية المصرية شهدت فاجعة إنسانية مروعة يوم السبت الماضي العاشر من أكتوبر حيث استهدفت غارات جوية مكثفة مناجم التعدين الأهلي. هذا الاستهداف لم يكن لمنجم بل كان استهدافا للإنسانية. غارة جوية تسقط قنابل على خيمة يتناول فيها العمال الشاي وعلى نقطة لتجميع الخام يجتمع حولها عشرات الشباب السودانيين وفي لحظة واحدة تحولت ضحكاتهم إلى صراخ واستغاثات وتحولت أجسادهم التي كانت تكدح إلى أشلاء متناثرة على الرمال. هناك أعداد من الشهداء والجرحى والهائمين على وجوههم في الصحراء فالطريق غير ممهد وهناك إذا تاه المرء في الصحراء هربا من القصف لا أحد يجده فيموت عطشا وبصمت دون أن يعلم به أحد. كم من بيت انطفأ نوره وكم من أم تنتظر ابنها الذي يكافح في المناجم ليعود ببضع نقود تقيهم العوز وكم من زوجة تنتظر عودة زوجها ليحمل عنها مسؤولية التربية وكم من طفل ينتظر عودة والده ولن يعود. إن قتل هؤلاء الشباب هو قتل لأبسط حقوق الإنسانية الحق في العمل والحق في الحياة فلا يمكن تبرير قصف مدنيين عزل تحت أي ذريعة ومهما كانت الحجج التي تنظم التعدين أو الحدود فالقانون الدولي والإنساني يفرق بوضوح بين مدني يبحث عن رزقه وعدو يتربص بالدولة. اليوم مئات الأسر في أنحاء متفرقة من البلاد تنتظر جثامين أبنائها والبعض لا يملك حتى ثمن ترحيل الجثمان من الصحراء البعيدة. إن المطلوب ليس بيان شجب أو إدانة فقط بل وقفة إنسانية حقيقية لحماية هؤلاء البسطاء وتوفير بدائل آمنة لهم وعدم تركهم فريسة للصحراء والطائرات معا فالذهب الذي يلطخ بدم الفقراء لا يبني وطنا. واستهداف منجم العقيدات الذي يعد من أكبر مراكز التعدين التقليدي ويعتمد عليه آلاف الشباب كمصدر رزق وحيد في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة قد أظهرت مقاطع مصورة تداولها ناشطون ومعدنون من قلب الحدث مشاهد قاسية لجثث الضحايا المتناثرة وحالة من الذعر والهروب الجماعي نحو الصحراء. ما حدث ليس حادثا عابرا فقد سبق أن تعرضت هذه المنطقة لغارات مماثلة مما يؤكد أن استهداف المعدنين المدنيين أصبح نمطا متكررا يهدد حياة الآلاف. عبر هذا المقال أناشد الحكومة السودانية والجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية بإدانة هذه المجزرة بشكل واضح وصريح وفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات ما حدث ومحاسبة المسؤولين عن استهداف مدنيين عزل يبحثون عن لقمة العيش. كما نطالب بتوفير الحماية للمعدنين الأهليين في المناطق الحدودية وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات التي تمس سيادة البلاد وكرامة مواطنيها وتقديم الدعم العاجل لأسر الضحايا والجرحى والمفقودين في الصحراء. الرحمة والمغفرة لشهداء الإنسانية ولا حول ولا قوة إلا بالله.










