الاخبار

عز العرب آدم عيسي يكتب : في حضرة عبد العال… يطيب الجلوس ويتهذّب الكلام

خرطوم سبورت

في حضرة عبد العال… يطيب الجلوس ويتهذّب الكلام

✍️ عزالعرب آدم

هناك أشخاص تأخذهم الأيام من أعيننا لفترات، لكنها لا تستطيع أن تمحوهم من قلوبنا أبداً. يبقون في تفاصيلنا، وفي الأماكن التي جمعتنا بهم، وفي الروائح التي تشبههم، وفي الذكريات التي لا تموت. يقولون إن الأيام تُخفّف الألم؛ نعم، الأيام لا تُنسينا، لكنها تمنحنا القدرة على تحمّل البعاد.

هذه المقدمة تقودنا للحديث عن رجل بقامة وطن، وشموخاً ونبلاً وعطاءً… لاعب هلال الأبيض السابق، وابن مدينة تندلتي الوارفة، أحد أمهر لاعبي العصر الذهبي، الكابتن والإنسان الخلوق:

عبد العال حسين

فرغم غيابه عن الأبيض جسداً، ظل فيها روحاً، وحجز في قلوب أهلها مكاناً نادراً. ظل اسمه على ألسنتهم يصفون دماثة خلقه وطيب معشره.

ورغم أنني لم أُشاهده وهو يداعب الجلد المدور في المستطيل الأخضر، إلا أن حديث زميله الكابتن محمد إبراهيم (كاف) الذي لعب معه أربعة أعوام، كان كافياً لأرى دهشة «كاف» وهو يستدعي ذكرياته معه، وكأن التاريخ يعود حديثاً. تلك الصورة وحدها رسمت أمامي ملامح لاعب أسطورة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

فـ عبد العال إلى جانب أنه لاعب فنان، هو أيضاً…
ندي كالسلام، قوي كالحرب، رقيق كالخيال، سخي حين يعطي، أمير وملك.

رحلة إلى تندلتي… رحلة إلى القلب

كانت رحلتي مع تجمع قدامى لاعبي هلال الأبيض إلى مدينة تندلتي مليئة بصور إنسانية نادرة. بدأوا الرحلة كزملاء، لكنهم أصبحوا إخوة حقيقيين… لم تلدهم أم واحدة، بل ولدتهم الظروف وجمعتهم كرة القدم التي أحبوها وأحبتهم. تواصلوا في الثراء والضراء، رغم تفرّق السبل وضغوط الحياة.

لم تنسهم السنين ولا المسافات أخاهم عبد العال، وظلوا أوفياء له حتى بروحهم ووجدانهم. جهّزوا للرحلة زادهم الأغلى: الحب.

وعند مدخل تندلتي… كان عبد العال ينتظرهم كما ينتظر عاشقٌ معشوقته. مشهد يحشد المشاعر والقيم ويهزّ الروح.

مشهد لا يُنسى

ما إن توقّف البص، حتى رأيت الجميع يتسابقون نحو بوابته للنزول «مهرولين» في مشهد لم أره في حياتي! ظللت أتساءل:
أهذا حب؟ أم ود؟ أم شغف؟ أم أخوة خالية من الشوائب؟

ربت على كتفي صديقي وأخي، النجم السابق مهذب كندرة، وكأنه قرأ ذهولي، وقال لي:
“نحن في حضرة عبد العال”
عندها أيقنت أنني أمام رجل وطن… تاريخ… أيقونة… وأمة.

تندلتي… مدينة تستقبل بالحب

الدموع انهمرت، والشعبية الجارفة حول الرجل تكشف مكانته في قلوب أهل مدينته… يعرفه الكبير والصغير، الرجال والنساء، الشباب والكهول والأطفال.

وصلنا إلى داره بعد استقبال طويل تقدمته قيادات تندلتي الاجتماعية والرياضية. كل شيء أُعد بعناية، والقلوب قبل الأيدي كانت تفتح أبوابها.

جلس الجميع لتناول الإفطار في أماكن رتّبت بإتقان. أمامنا أصناف الطعام والفواكه الكثيرة.
هنا الكرم لا يُقاس بالذوق… بل بـ الكم.

مساء لا يشبه إلا تندلتي

حضر الرموز والقيادات والأعيان للقاء البعثة. مهرجان مسائي جميل جمع بين قدامى لاعبي هلال الأبيض ونجوم تندلتي… تعادل عادل بثلاثة أهداف لكل فريق.

وجرى تكريم المحتفى به وسط دموعه التي شهدت على صدق المشهد. شهدت الاحتفالية حضوراً نوعياً لقيادات المدينة:
قائد القطاع الغربي اللواء عمر التجاني، مدير الشرطة، مدير الجهاز، المدير التنفيذي، رئيس الاتحاد الفرعي، مدير البنك الزراعي، وكيل شركة سوداني، وجمهور غفير.

وفي نادي مريخ تندلتي، تجسّد شعار:
“الرياضة جسر للتواصل والمحبة”
فالندية في الملعب… والمحبة والإخاء خارجه.
حفل غنائي بهيج تمايل فيه الجميع على أنغام الزمن الجميل، وقدم مبدعو تندلتي عرضاً موسيقياً راقياً.

ختاماً

كأن لسان حال تجمع قدامى لاعبي هلال الأبيض يقول:
“شكراً عبد العال… في حضرة جلالك يطيب الجلوس، ويتهذّب أمامك الكلام.”

وأنا بدوري أقول:
شكراً قدامى هلال الأبيض، أنتم صورة للوطن وروحه وتكاتفه.
فالإنسانية عندكم ليست شعاراً… بل موقف.
و«جبر الخواطر» عندكم واجب…
فليس كل من يمشي على قدمين إنساناً،
أما الإنسان… فهو من يحسّ بغيره.

عزالعرب آدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى