مقالات

عثمان ميرغني يكتب : انتحال صفة “النخبة”

خرطوم سبورت

 

انتحال صفة “النخبة”

عثمان ميرغني

الدكتور منصور خالد، السياسي والدبلوماسي والمفكر الأشهر في تاريخنا المعاصر، زرع في العقل السوداني عبارات راسخة، من بينها «النخبة السودانية وإدمان الفشل» التي تحولت من عنوان كتاب إلى ما يشبه حِكَم وأمثال الشاعر المتنبي التي تفيض بها قصائده الخالدة.
في سياق مرافعته ضد الساسة السودانيين، أورد منصور أمثلة كثيرة تبرهن خطل مناهج تفكيرهم قبل مسلكهم. ولكنه – بحسن ظن – تفضّل عليهم بصفة «النخبة»، وهي عبارة تمنح حاملها درجة من التميز والوجاهة.
في الجيش البريطاني الغازي الذي انتصر علينا في معركة كرري الشهيرة (2 سبتمبر 1898)، لعبت كتائب «النخبة» دوراً مهماً في اختراق دفاعاتنا وتعجيل سقوط أم درمان. ولولا الكمين الذكي الذي أوقعه البطل عثمان دقنة لنجحت في القبض على الخليفة عبد الله التعايشي قبل انسحابه من أم درمان.
منصور خالد أغدق على الساسة بمنحهم وسام «النخبة».. مما يحتم السؤال بكل صراحة: هل ساستنا – منذ الاستقلال وحتى اليوم – هم نخبة؟
الإجابة تتطلب وضع معايير لتوسيم «النخبة». ونتفق أنهم «مجموعة ذات تميز متفرد في قطاع معين». ومقياس التميز هنا هو «التأثير» الإيجابي وليس السلبي الذي ينتج عن حراكهم معنوياً ومادياً.
بهذا المفهوم، يصبح للفن نخبة، ولا يشترط حصول أفرادها على الصفة ذاتها في مجالات أخرى حتى ولو ارتبطت بهم. وللمجتمع نخبة، وللرياضة، والسياسة، والثقافة، والقطاع العسكري، وغيرها.
تختلف «النخب» في مجالات العمل العام، وتتفق في صفة التميز والتفرد والتأثير الإيجابي.
لكن «النخبة» ليس لها مفرد. بمعنى أنه لا يمكن وصف سياسي بعينه بأنه «نخبة»، ولا فنان، ولا رياضي، ولا زعيم أهلي، ولا مثقف، ولا غيرهم.
عند «النخبة»؛ التميز والتفرد والتأثير الإيجابي هو ناتج محصلة الحركة والسكون لمجموعة، وليس لفرد بعينه. وهذا يحدد أن طبيعة التأثير والعمل المتميز تكون في السياق الجمعي الذي ينتج تأثيراً إيجابياً في مهام قطاع بعينه.
ولأن القطاع السياسي مسؤول عن قيادة الدولة، فإن التأثير المقصود هو على عموم الدولة.
العهود السياسية التي نظر إليها كتاب «النخبة السودانية» قد تكون أكثر نضجاً – أفراداً ومؤسسات – من العهود الراهنة في مشهدنا السياسي. ومع ذلك، تظل – في تقديري – خارج نطاق المعايير التي تمنحهم صفة «النخبة» التي تفضّل بها منصور.
في كتابي «كيف أضاعوا السودان – عشر مخازٍ سودانية»، رصدت القرارات والسياسات بل والمسلك السياسي خلال الفترة من بداية تكوين الأحزاب في الأربعينيات، وأوضحت غياب الفكر السياسي البنّاء. انحصر الصراع – وليس التنافس – السياسي في الوصول إلى كرسي الحكم بلا رؤية ولا برامج.
أمس قرأت في صفحة مميزة على فيسبوك اسمها «السودان في خبر» – وهي مختصة بعرض وثائق من تاريخ السودان المعاصر – خبراً عن تقرير بعثت به السفارة الأمريكية في الخرطوم إلى واشنطن بتاريخ 28 أكتوبر 1958، يتوقع انقلاباً عسكرياً خلال أيام (وهو ما حدث فعلاً). وكان أكثر ما لفت نظري عبارة مثيرة للدهشة في التقرير تقول: (انقلاب يقوده رئيس الوزراء عبد الله خليل)!!
من الصعوبة تطبيق معايير «النخبة» على مثل هذا المسلك السياسي الذي أنتجه القطاع السياسي المهيمن على الدولة والعمل السياسي عموماً في تلك الحقبة. وفي الخلاصة، كانت النتيجة فشلاً سياسياً مزمناً لا يزال يدمي عنق البلاد.
للخروج من حالة الفشل السياسي المزمن في السودان، نحتاج فعلاً إلى بناء «نخبة سياسية». فيصبح السؤال المركزي الأهم: كيف نبني نخبة سياسية؟
سأجيب عليه في مقال لاحق إن شاء الله.

#حديث_المدينة السبت 21 مارس 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى