
محجوب شريف.. مع السلامة
ضياء الدين بلال
رحل محجوب شريف بكل جماله وروعته اللذين عُرف بهما، رحل في كفنٍ أبيض عطِر، من طرف السوق إلى شبرٍ وسيع في مقابر أحمد شرفي.
كان الحشد في تشييعه غير مسبوق في وداع شاعر، جاء المشيعون من كل حدبٍ وصوب، ومن كل طيفٍ ولون.
امتزجت شعارات الشيوعيين وهتافاتهم بالتهليل والتكبير، وعَبَرات الرجال بدموع النساء، وبدهشة الصغار وهم يرون جثمانه تحمله جموع المشاة — سيراً على الأقدام — من الثورة (21) إلى ود نوباوي.
يخطئ من يظن أن الأستاذ محجوب محمد شريف مجرد مواطن سوداني برتبة شاعر.
كان محجوب شريف حالةً إنسانيةً لا تُحتجز في الأوعية الضيقة، حالةً تفيض عطاءً وحباً وخيراً للجميع، دون ممايزات دينية أو عرقية أو سياسية.
رجلٌ جعل من قلبه مدرسةً عامة مفتوحة على شارعٍ عريض، مشروعاً وجدانياً لا يقبل الخصخصة الحزبية ولا التأطير الأيديولوجي.
ود مريم محمود، لم تقف ربة شعره عند الخطوط الحمراء، ولا عند أسوار القضايا والمواقف السياسية التي تحتمل أكثر من لون وتسمح بأكثر من رأي.
كتب للحبيبة الجميلة والمستحيلة، لكن زماناً جاء صار فيه جمال الحبيبة صناعةً كيميائية خادعة، وباتت الحبيبة متاحة عند الطلب.
غنّت قصائده للأسرة السودانية في الحواضر والبوادي، وللوالدة السمراء الحنون:
يا والدة يا مريم
يا عامرة حنية
أنا عندي زيك كم
يا طيبة النية
بشتاق وما بندم
اتصبّري شوية
يا والدة يا مريم
ماني الوليد العاق
لا خنت لا سرّاق.
تجاوز محجوب شريف كثيراً من الشعراء، فالشعراء — في الغالب — لا يتغزلون في زوجاتهم إلا بعد رحيلهن، حيث تموت القصائد على بوابة القفص الذهبي وقوائم الطلبات اليومية.
أما هو فقد كتب واحدة من أجمل قصائد الغزل الإنساني في زوجته أميرة الجزولي:
لمّا عرفتك اخترتك سعيد البال
وختّ شبابي متيقّن
عليك آمال
لا جيتك قبيلة
ولا رجيتك مال
ولا مسحور
ويوم ما كنتِ في عينيّ
أجمل من بنات الحور
جيتك عاشق أتعلم
من الأيام
ومن سأم الليالي البور
ومن أسر الوِلِف كتّال
لقيتك في طشاشي دليل
وفي حرّ الهجيرة مقيل.
وفي ابنتيه الرائعتين مريم ومي، نظم أجمل الأشعار على إيقاع الهدهدة:
مريم ومي بنيّاتي
وحشتنّي ولعبتن بي
تحياتي تصحو أمامي
أشواقاً تهز النبض وتأتي
عميقاً من شعاب النوم
ألاقي الذكرى بتهاتي
سلاماً يا حمامتي
أسكنَّ في مسامتي
سلاماً يا غمامتي
البتدنّي ابتساماتي.
وبقصائده المترعة بالوفاء والحزن الشفيف، شيّع أروع الأصدقاء بأجمل الكلمات:
يابا مع السلامة
يا سِكّة سلامة
في الحزن المطير
يا كالنخلة هامة
قامة واستقامة
هيبة مع البساطة
أصدق ما يكون
راحة إيديك تماماً متل الضفتين
ضلّك كم ترامى حضناً لليتامى
خبزاً للذين هم لا يملكون
بنفس البساطة والهمس الحنون
ترحل يا حبيب.
محجوب شريف شاعر وإنسان له في خدمة الشعب عرق «ردّ الجميل»، وفي حبه وجدٌ وشجون:
يا شعباً تسامى
يا هذا الهمام
تفج الدنيا ياما
وتطلع من زحاما
زي بدر التمام
تدي النخلة طولها
والغابات طبولها
والأيام فصولها
والبذرة الغمام.
رحل محجوب شريف رحيلاً يليق بتاريخه الناصع النضير، وسيرته النظيفة العطرة:
ماني الوليد العاق… لا خنتَ لا سرّاق.
أمس جاءت الجماهير إلى أحمد شرفي، لترد له قليلاً من جميلٍ عظيم:
كل الجروح بتروح إلا التي في الروح
خلّي القلب شباكاً نحو الأمل مفتوح
سرج الأماني حنون، مهر الليالي جموح.
*إعادة نشر في ذكرى رحيله في 2014.











