الاخبار

د. فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب : نزيف الرمل والروح : غرب كردفان أنموذجا

خرطوم سبورت

نزيف الرمل والروح : غرب كردفان أنموذجا

*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
في قلب السودان النابض وفي دائرة جغرافية فريدة تسمى غرب كردفان فقد كانت الرمال تحتضن تنوعا اثنيا فريدا وتنسج من تباين الثقافات سجادة من التناغم الفطري. هبّت رياح مسمومة لم تكن تحمل غبار الصحراء فحسب بل كانت تحمل شظايا خطاب عنصري بغيض. لقد تسلل هذا الوباء الفكري إلى أروقة ‘الطبقة المستنيرة فتحول المتعلمون منهم من أدواتِ حل إلى وقود للفتنة فنجدهم قد سخروا طاقاتهم الفكرية لتشييد جدران الفصل وقد كان عليهم مد جسور الوصل بين الناس .
كما تبنى هذا الخطاب عملية “تفكيك بنيوي” لمجتمع عرف تاريخيا بقدرته الفائقة على احتواء الأزمات وصهرها في بوتقة العيش المشترك والتسامح السامي.
إن ما حدث في غرب كردفان يمثل حالة من “الاستلاب الهوياتي” حيث عكفت أبواق الفتنة على تقويض مفهوم “المواطنة المحلية” لصالح “القبيلة الضيقة” استبدلت فيه اللغة الرزينة التي كانت توحد الناس في المحافل و”النفاجات”، بلغة إقصائية تعتمد على “التنميط” و”التشييء”.
وفي خضم هذا المناخ لم يعد الفرد يقيم بناءا على أخلاقه او ارثه او تاريخه أو مساهمته في بناء مجتمعه بل أضحى يصنف وفقا ل”نقاء الدم” المزعوم، مما خلق جدرانا نفسية سبقت في علوها جدران البيوت.
لقد اشتغلت آلة الخطاب العنصري على استنهاض “الذاكرة الانتقامية” وتحويل المظالم الاقتصادية أو النزاعات حول الموارد (الماء والمرعى) من سياقها الطبيعي كخلافات قانونية إلى صراع وجودي عبثي. هذا “الوعي الزائف” جعل من العنف وسيلة وحيدة للتعبير عن الذات ومن الإقصاء استراتيجية للبقاء.
لقد أدى هذا الخطاب إلى شلل تام في المؤسسات الاجتماعية التقليدية. “الجودية” التي كانت تمثل المحكمة الأخلاقية للإدارات الأهلية والوجدان الجمعي وتآكلت مصداقيتها تحت وطأة الاستقطاب الحاد. ومن الطبيعي عندما يتسلل سم العنصرية إلى العقول تصبح الحكمة خيانة والاعتدال ضعفا مما يفتح الباب على مصراعيه لشرارة الفتنة لكي تلتهم الأخضر واليابس وتحيل التاريخ المشترك إلى رماد.
إن استعادة روح غرب كردفان وتضميد جراحها النازفة لا يمكن أن يتم عبر المساومات السياسية الهشة ولكن عبر ثورة أخلاقية شاملة تعيد للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. فيجب التسامي على الجراحات ليس نسيانا للماضي بل رغبة في بناء المستقبل الواعد فالحقد لا يبني وطنا والكراهية لا توفر أمنا.
كما إن ضرورة التسامي تستمد مشروعيتها من جوهر القيم الروحية التي يؤمن بها هذا المجتمع، فقد جعل الخالق التنوع آية للتعارف وليس التناحر، فقال الله في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فالتعارف هنا هو الغاية الفلسفية من الوجود .
كما أرست السنة النبوية المطهرة دعائم المجتمع المتماسك عندما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع ليضع حدا فاصلا بين الجاهلية ومنطق الاستعلاء، قائلا : *«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»*وفي هذا الحديث ترياق لكل سموم العنصرية التي حاولت تمزيق مجتمعنا، ودعوة صريحة لنبذ “عصبية الجاهلية” التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها *«نتنة»*
إن العودة إلى هذه الأصول هي المخرج الوحيد لغرب كردفان لكي تنهض من ركام الفتنة وتعلن أن الدم الذي يسري في عروق أهلها هو دم واحد وأن الأرض التي تقلهم تتسع للجميع شريطة أن تغسل القلوب من أدران الخطاب البغيض وأن تبنى الجسور فوق أنقاض الجراح. وعلى أهلها الحادبين عليها وعقلائها من الطبقة المستنيرة اليوم تقع عليهم مسؤولية تاريخية لإعادة رتق هذا النسيج الاجتماعي فالوفاء للأرض لا يكون إلا بالوفاء للإنسان ولا سبيل لاسترداد الهوية الجامعة إلا بكسر مقصلة العنصرية البغيضة ليعود المجتمع حصنا منيعا كما كان من قبل متساميا بوعيه على كل مساعي الفرقة والشتات.

*هذا مع كامل الود*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى