
سارة الطيب تكتب: موسى هلال.. حين يتكلم الصمود
في يوم الهجوم الغاشم على مستريحة، لم تكن المأساة مجرد حدث عابر، بل جرحًا غائرًا في وجدان أمة. يومها تمزقت القلوب من هول الجريمة، ومن انحدار هذه الفئة الضالة إلى ما بعد كل الخطوط الحمراء. لكن وسط هذا السواد، برزت لحظة كاشفة لا تُنسى: مقطع مصوّر لصغار مغرر بهم من المعتوه عبدالرحيم دقلو الذي أمر بالهجوم على دامرة الشيخ ، يومها ركزت مع فديو لأحد هؤلاء الصبية وهو يردد “هذا منزل الشيخ موسى، وهذا ديوان الشيخ”. عبارة بسيطة، لكنها تختصر مقام رجلٍ سكن وجدان الناس، حتى في براءة الصغار قبل وعي الكبار.
موسى هلال ليس مجرد اسم في سجل الأحداث، بل هو حالة وطنية متكاملة. رجلٌ اختار موقعه في قلب النار، ولم يساوم يومًا على الحياد، لأن الحياد في لحظات الانكسار خيانة صامتة. ظل صوته حاضرًا، عاليًا، منحازًا لوحدة السودان، داعمًا لقواته المسلحة، ومدافعًا عن بقاء الدولة في وجه التفكك والانهيار.
كان يعلم ثمن موقفه، ويُدرك أن طريقه مفروش بالمخاطر، ومع ذلك مضى غير هيّاب. فالمواقف الكبرى لا يصنعها المترددون، بل أولئك الذين يقرأون التاريخ بعين المسؤولية لا بعين السلامة الشخصية.
ولأن القمة تُستهدف، كان طبيعيًا أن تتجه إليه سهام الخصوم. ليس لأنهم أقوى، بل لأنهم يعرفون أن قوته الحقيقية ليست في السلاح، بل في القبول، في المحبة، في تلك المكانة التي عجزوا عن شرائها مهما أنفقوا. فبقي حصادهم مجرد مجموعات مأجورة، بلا جذور ولا سند اجتماعي حقيقي. أما هو، فبكلمة واحدة قادر على تعرية زيفهم، وبموقف واحد قادر على إعادة وصل ما سعوا إلى قطعه.
وحين اشتدت المحنة، لم يتراجع. وقف كالطود، ثابتًا في وجه الدسائس، عصيًا على محاولات بث الفتنة. لم يكن وحده، بل معه رجالٌ يعرفون معنى الانتماء. وحين اندفعت مئات العربات المدججة بالسلاح في مواجهتهم- 400 عربة ومن فوقها المسيرات- ، لم يكن الفارق في العتاد هو الحاسم، بل الفارق في اليقين. فصمدوا- ب48 عربة قتالية- لأنهم يعرفون لماذا يقاتلون.
ثم جاءت رحلة الهجرة والصبر؛ أيامٌ ثقيلة، لكنها مشبعة بالإيمان بالوصول. أحد عشر يومًا من التحدي، لم ينكسر فيها الأمل، لأن البوصلة كانت واضحة: الحفاظ على الوطن، لا مجرد النجاة منه.
وعندما وصل، لم يطلب راحة، ولم ينشغل بالجراح، بل عاد مباشرة إلى معركته الأهم: جمع الصف الوطني. أدرك أن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزق. فدعا إلى التماسك، إلى نبذ خطاب الكراهية، إلى إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع. وهي معركة لا تقل شراسة عن ميادين القتال. وهي كلمات انطلقت من الشيخ موسي فور وصوله متجاوزاً أحزانه على الفقد الكبير، وما أحرّ فقد الأحباب والأبناء. ولكن راهنه الذي ظل متمسكا به ن هو إعادة تماسك المجتمع بعد تفتيته بواسطة المليشيا المتمردة، والعمل على محاربة خطاب الكراهية؛ فهو الهدف الأسمى الذي سيكون المفتاح لإنقاذ بلادنا من غياهب الجب التي أوقعتها فيه هذه الفئة الظالمة.
ورغم حكمته وصبره، لم يغفل حقيقة أن هناك من لا يفهمون إلا لغة القوة. لذلك عمل على حشد الطاقات، وتوجيهها لدعم القوات المسلحة والقوى المساندة، في معركة بقاء لا تقبل أنصاف الحلو، ولعل وصول القائد النور قبة ومضة من ذاك المعين.
والشيخ خلال خطاباته كان على يقين بإن اكتمال العمل الاجتماعي والعسكري يحتاج إلى مجهود سياسي من خلال عقد مؤتمر جامع لكل القوى السياسية، لمناقشة مشكلات البلاد وصولًا إلى تفاهمات تقود إلى عقد دستور دائم يحكم البلاد.
ولعل ذلك ما ظهر في منحه لفعاليات مؤتمر الكتلة الديمقراطية ببورتسودان ثقلًا وبريقًا لم يحصده التحالف في مؤتمراته السابقة، فضلًا عن روح التفاهم والوئام التي سادت أعمال المؤتمر. لتحالفٍ كثيرًا ما اشتكى من خلافات وتقاطعات داخلية، لكن هذه المرة كانت مختلفة، وخرج بتوافق قوي نحو إرساء دعائم وطن آمن ومستقر إن شاء الله.
وانا سارة الطيب احد جنود معركة الكرامة لأجل وطن موحد وآمن ومستقر على يقين بانه لا يمكن قراءة تجربة موسى هلال بمعزل عن سياقها الوطني . فهو نموذج لزعيمٍ اختار أن يكون في صف شعبه، لا على هامشه؛ في قلب المعركة، لا خلف حسابات الربح والخسارة. وفي زمن الالتباس، تبرز قيمة المواقف الواضحة، لأنها وحدها القادرة على رسم ملامح المستقبل.











