الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : براغماتية مالك عقار… إلى أين يتجه نائب مجلس السيادة؟

خرطوم سبورت

 

براغماتية مالك عقار… إلى أين يتجه نائب مجلس السيادة؟

اسماعيل شريف

منذ اندلاع الحرب في السودان، برز اسم مالك عقار بوصفه أحد أكثر الفاعلين السياسيين إثارةً للجدل داخل المعسكر الحكومي. فالرجل الذي صعد تاريخياً عبر بوابة الحركة الشعبية لتحرير السودان، وحمل لسنوات خطاب “السودان الجديد” المرتبط بمشروع الدولة المدنية والعلمانية، وجد نفسه بعد الحرب أقرب إلى معسكر الإسلاميين والقوى التقليدية التي كانت الحركة الشعبية تعتبرها جزءاً من أزمة السودان التاريخية.
هذه التحولات الحادة دفعت كثيرين إلى وصف عقار بأنه أحد أكثر السياسيين السودانيين براغماتية، وربما أكثرهم قدرة على تبديل المواقع السياسية وفقاً لموازين القوة ومتطلبات البقاء.

من رفيق قرنق إلى شريك السلطة

يصعب الحديث عن عقار دون العودة إلى علاقته التاريخية بالراحل جون قرنق، الذي منح الرجل مساحة واسعة داخل المشروع السياسي والعسكري للحركة الشعبية. فقد ظل عقار يُنظر إليه باعتباره من القيادات الشمالية القليلة التي حظيت بثقة قرنق، خاصة في ملفات جبال النوبة والنيل الأزرق.
وبعد انفصال جنوب السودان، اختار عقار الاستمرار في السودان عبر قيادة جناح “الحركة الشعبية ـ شمال”، قبل أن تتشظى الحركة لاحقاً بينه وبين عبد العزيز الحلو على خلفية الخلاف حول قضايا العلمانية وتقرير المصير.
ذلك الانقسام لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كشف عن تباين فكري عميق؛ فالحلو تمسك بخطاب الحركة التقليدي حول الدولة العلمانية، بينما بدا عقار أكثر ميلاً إلى التسويات السياسية والبحث عن موطئ قدم داخل السلطة المركزية.

العودة إلى “حضن الوطن”

بعد ثورة ديسمبر، عاد عقار إلى الخرطوم عبر اتفاق جوبا للسلام، ضمن ترتيبات السلام التي أعادت عدداً من الحركات المسلحة إلى المشهد السياسي.
لكن عودته لم تُقابل بإجماع شعبي واسع، إذ رأى كثيرون أن الاتفاقات منحت قادة الحركات مناصب سيادية وتنفيذية أكبر من حجم تأثيرهم الحقيقي على الأرض، بينما ظلت قضايا النازحين والتنمية والعدالة بعيدة عن التنفيذ.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، صعد عقار سريعاً إلى موقع نائب رئيس مجلس السيادة، في خطوة اعتبرها مراقبون ترتيبات سياسية أكثر من كونها استحقاقاً دستورياً أو شعبياً، خاصة في ظل غياب مؤسسات انتقالية مكتملة أو سند انتخابي حقيقي.

قوات محدودة… وانتهاكات مثيرة للجدل

ورغم أن قوات عقار لا تُعد من القوى العسكرية الكبرى مقارنة بتشكيلات أخرى، إلا أن اسمها ارتبط خلال الحرب باتهامات تتعلق بانتهاكات ضد مدنيين في بعض مناطق العاصمة الخرطوم، وهي اتهامات تداولتها منظمات وناشطون على نطاق واسع، وسط حالة الانفلات الأمني المعقدة التي صاحبت المعارك.
هذه الوقائع أثرت سلباً على صورة الرجل، خصوصاً أنه حاول تسويق نفسه سياسياً باعتباره شخصية معتدلة وقادرة على لعب دور الوسيط الوطني.

جولات خارجية بلا اختراقات كبيرة

خلال الشهور الماضية، كثف عقار من تحركاته الخارجية، فزار عدداً من العواصم الإفريقية والتقى مسؤولين إقليميين في محاولة لتعزيز حضوره السياسي وتقديم نفسه كشخصية يمكن أن تلعب دوراً في مستقبل السودان.
غير أن تلك التحركات لم تحقق اختراقاً واضحاً، سواء على مستوى المبادرات السياسية أو بناء حاضنة إقليمية مؤثرة. ويبدو أن تراجع وزنه الداخلي انعكس أيضاً على محدودية تأثيره الخارجي.
وفي هذا السياق، أثار اللقاء الذي جمعه برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي كثيراً من التساؤلات، خاصة مع تزايد التسريبات حول إمكانية عودة التنسيق بينه وبين جناح عبد العزيز الحلو لإعادة ترميم الحركة الشعبية أو بناء تفاهمات جديدة.
ورغم غياب معلومات مؤكدة حول طبيعة تلك التفاهمات، فإن مجرد تداول هذه الفرضية يكشف حجم القلق داخل الدوائر الحكومية من احتمال إعادة تموضع عقار سياسياً.

نائب بلا صلاحيات؟

تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء أعاد ترتيب موازين النفوذ داخل السلطة الانتقالية، ويبدو أن ذلك انعكس مباشرة على موقع عقار الذي أصبح ـ وفقاً لكثير من التقديرات ـ أقل تأثيراً في صناعة القرار مقارنة ببدايات الحرب.
فالرجل الذي كان يتحرك باعتباره أحد أبرز الوجوه السياسية داخل المعسكر الحكومي، بات اليوم محاصراً بتراجع شعبيته وضعف امتداده العسكري وغياب الحاضنة السياسية المنظمة.

مفارقة العلمانية والإسلام السياسي

ربما تكمن المفارقة الأكبر في مسيرة عقار في انتقاله من مشروع “السودان الجديد” القائم على إعادة تعريف علاقة الدين بالدولة، إلى القبول العملي بتحالفات سياسية تضم تيارات محسوبة على الإسلام السياسي.
هذا التحول يراه خصومه تنازلاً كاملاً عن المبادئ المؤسسة للحركة الشعبية، بينما يراه أنصاره شكلاً من البراغماتية السياسية التي فرضتها تعقيدات الواقع السوداني.

لكن السؤال الأهم يظل:
هل ما يقوم به عقار مجرد تكتيك مرحلي للبقاء داخل السلطة؟ أم أنه يعكس تحولاً فكرياً حقيقياً انتهى فيه مشروع الحركة الشعبية القديم إلى الواقعية السياسية القاسية؟
الأيام القادمة وحدها ربما تحمل الإجابة، خاصة في ظل سيولة المشهد السوداني، واحتمالات إعادة تشكيل التحالفات بصورة قد تدفع كثيراً من الفاعلين السياسيين إلى تغيير مواقعهم مرة أخرى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى