
حين يشكك وزير الإعلام في الصحفيين… من يحرس المهنة من السلطة؟
اسماعيل شريف
أثار حديث وزير الثقافة والإعلام والسياحة السوداني خالد الإعيسر خلال ظهوره على الجزيرة مباشر موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الصحفية والسياسية السودانية، بعد تصريحات تحدث فيها بصورة مباشرة عن وجود صحفيين يغيّرون مواقفهم من الحرب والجيش تبعًا للدعم المالي الذي يتلقونه، مشيرًا إلى ما وصفه بحالات “ابتزاز” تمارس ضد الحكومة في سياق معركة الكرامة.
التصريحات لم تمر باعتبارها مجرد ملاحظة عابرة في مقابلة تلفزيونية، بل فُهمت داخل الوسط الصحفي باعتبارها اتهامًا أخلاقيًا وسياسيًا واسعًا يطال شريحة كاملة من الإعلاميين، خصوصًا أن المتحدث هذه المرة ليس ناشطًا سياسيًا أو معلقًا على مواقع التواصل، وإنما وزير الإعلام نفسه، أي المسؤول الأول رسميًا عن القطاع الإعلامي في البلاد.
المفارقة أن الإعيسر نفسه جاء إلى الوزارة من خلفية صحفية وإعلامية، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون حديثه أكثر حساسية وتأثيرًا.
فالصحفي حين ينتقد السلطة يمارس دورًا طبيعيًا في أي مجتمع، لكن عندما تتحول السلطة إلى جهة تشكك علنًا في ذمم الصحفيين، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد سجال سياسي عابر.
في السودان، حيث تعيش البلاد واحدة من أعقد الحروب والانقسامات في تاريخها الحديث، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح جزءًا من معركة سياسية وعسكرية ونفسية مفتوحة.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، انقسم الوسط الإعلامي السوداني بحدة غير مسبوقة؛ هناك صحفيون اصطفوا بوضوح خلف الجيش باعتباره “المؤسسة الوطنية الأخيرة”، وآخرون ركزوا على الانتهاكات الإنسانية للطرفين، بينما اختار بعضهم خطابًا أقرب إلى معسكرات القوى المدنية المناهضة للحرب.
وسط هذا الاستقطاب الحاد، أصبحت تهمة “العمالة” أو “الارتزاق” أو “التمويل” حاضرة بقوة في الخطاب العام، ليس فقط بين السياسيين، بل حتى بين الصحفيين أنفسهم.
لكن خطورة تصريحات الوزير تكمن في أنها نقلت هذا الاتهام من مستوى التراشق السياسي إلى مستوى الخطاب الرسمي.
عدد من الصحفيين والناشطين رأوا في حديث الإعيسر محاولة لتبرير تراجع شعبية الخطاب الحكومي في بعض المنصات الإعلامية، أو تمهيدًا لإعادة فرز الإعلاميين وفق معيار الولاء السياسي للحرب.
بينما اعتبر آخرون أن الوزير قال علنًا ما يدور همسًا داخل الساحة الإعلامية منذ سنوات، في إشارة إلى وجود تمويل سياسي وإقليمي يؤثر بالفعل على بعض المنابر والمواقف التحريرية.
الحقيقة أن الأزمة أعمق من الأشخاص أنفسهم.
فالحرب السودانية خلقت بيئة إعلامية شديدة الهشاشة؛ صحفيون فقدوا وظائفهم، مؤسسات أغلقت، مرتبات توقفت، ومنصات كاملة انتقلت إلى العمل من المنفى أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ظل هذا الانهيار، أصبح التمويل السياسي أو الخارجي أحد أبرز مصادر البقاء لكثير من المؤسسات الإعلامية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لهذا فإن حديث الوزير، حتى لو احتوى على جزء من الواقع، أثار غضبًا واسعًا لأن كثيرين رأوا أنه تعميم يفتقر إلى الأدلة ويضع المهنة كلها تحت الشبهة.
في الأوساط الصحفية، برز اتجاه يعتبر أن الإعيسر كان يتحدث بعقلية “السلطة أثناء الحرب”، حيث تصبح أي مساحة نقد أو اختلاف قابلة للتصنيف باعتبارها خيانة أو ابتزازًا أو خدمة لأجندات معادية.
وهو مناخ يتكرر غالبًا في الدول التي تمر بصراعات طويلة، إذ تميل الحكومات إلى مطالبة الإعلام بالاصطفاف الكامل، لا بالمراقبة أو المساءلة.
في المقابل، هناك من دافعوا عن الوزير باعتبار أن بعض المنصات الإعلامية السودانية تحولت بالفعل إلى أدوات دعائية ممولة، وأن الحرب كشفت حجم التأثير المالي والسياسي على الخطاب الإعلامي، سواء من أطراف داخلية أو خارجية.
لكن حتى هؤلاء يقرون بأن معالجة هذه الأزمة لا تتم عبر الاتهامات العامة، وإنما عبر الشفافية، والقانون، وكشف الوقائع بالأسماء والأدلة إن وُجدت.
سياسيًا، يمكن فهم تصريحات الإعيسر ضمن سياق أوسع تعيشه الحكومة السودانية الحالية، التي تخوض معركة عسكرية وإعلامية في وقت واحد.
فالسلطة تدرك أن الحرب لم تعد تُحسم بالسلاح فقط، بل بالصورة والرواية والقدرة على التأثير في الرأي العام المحلي والخارجي.
ولهذا يبدو أن الوزير أراد إرسال أكثر من رسالة في وقت واحد:
رسالة إلى الصحفيين مفادها أن الحكومة تراقب التمويلات والتحولات في المواقف، ورسالة إلى القاعدة المؤيدة للجيش بأن السلطة تدرك وجود “اختراقات إعلامية”، ورسالة ثالثة ربما تتعلق بمحاولة تفسير التباينات داخل الخطاب الصحفي السوداني حول الحرب.
غير أن المشكلة الأساسية تبقى في سؤال جوهري:
هل يجوز لوزير الإعلام أن يتحدث عن فساد مهني أو ابتزاز داخل الوسط الصحفي دون تقديم وقائع محددة؟
لأن التعميم هنا لا يضرب فقط أشخاصًا بعينهم، بل يهز الثقة في المهنة نفسها، في وقت يعيش فيه الصحفي السوداني أصلًا واحدة من أصعب الفترات في تاريخه؛ بين النزوح، وفقدان المؤسسات، وضغوط الاستقطاب، والخطر الأمني، والانقسام السياسي الحاد.
وربما تكشف هذه الأزمة شيئًا أكبر من مجرد تصريح تلفزيوني.
فهي تعكس طبيعة العلاقة المأزومة أصلًا بين السلطة والإعلام في السودان، حيث ظل الصحفي دائمًا عالقًا بين مطالب الوطنية، وضغوط السلطة، واستقطاب السياسة، وسؤال البقاء الاقتصادي.
وفي زمن الحرب، تصبح المسافة بين “الصحفي” و”المتهم” قصيرة جدًا.






