
وجوه خلف الأسوار .. أيام في سجن بورتسودان (٣)
قهوة السجن .. حين هزمت بورتسودان عتمة الزنزانة!
رشان أوشي
كنت وما زلت على يقين راسخ بأن محبة الناس هي أعظم النعم؛ كنز دنيوي ثمين لا يضاهيه مال ولا جاه ولا سلطان، ومن عثر عليه فقد حاز أسباب السعادة بأسرها.
في اليوم التالي لوصولي إلى سجن بورتسودان المحلي، وقبل أن يستوعب عقلي الصدمة أو يستكين لغياهب الاحتجاز،التي وُجدت فيها فجأة وبلا مقدمات، تدفقت جموع أعيان بورتسودان وأهاليها، وتوافد زملائي الصحفيون، وعدد مقدر من الساسة والتنفيذيين والدستوريين، ضاقت بهم مباني السجن لكن اتسعت بهم نفسي.
لقد كانت مفاجأة عظيمة، أعادت الدماء الحارة إلى عروقي، فقلت في نفسي ممتنة: “سبحان الله الذي يمنحك الضيق والفرج في آن واحد”. علامات الصدمة والانزعاج كانت ترتسم على وجوه الجميع، وهي ملامح أعادتني بالذاكرة إلى موقف حدث بالأمس وأدهشني؛ فبعد صدور الحكم علي بالسجن لعام كامل واقتيادي إلى حراسة المحكمة تمهيداً لترحيلي مع بقية النزلاء، مر قاض شهير، وسمعته يهمس للحارس مستنكراً: الاستاذة رشان مالها هنا؟ إن شاء الله خير!”، وما إن أخبره الحارس بالقصة حتى تملكه الذهول ورد بانفعال: “يا زول أنت جادي؟ لا حول ولا قوة إلا بالله”. لقد منحتني دهشته الممتزجة بالرفض آنذاك جرعة إضافية من الثبات.
على مدار (43) يوماً، لم يتوقف فيض الأصدقاء، الزملاء، المواطنين البسطاء، التجار، رجال الأعمال،الادارة الأهلية وموظفي الدولة.. كل من تقاطعت طرقي معهم في رحلة الصحافة، جاءوا ليمنحوني الحب، الدعم، والقوة. كنت أستقبل ما لا يقل عن خمسين زائراً يومياً، يتركون في وجداني مع كل إطلالة مزيداً من الصمود واليقين.
ولعل أكثر المواقف تأثيراً في نفسي، كان بطلته صديقة لي تعمل ضابطة شرطة مقيمة في الخرطوم؛ إذ تكبدت وعثاء السفر خصيصاً لزيارتي. وعند وصولها إلى المدينة، استقلت “ركشة” وأخذت تلح على السائق بالإسراع، فاستفسرها متعجباً: “مالك يا أختي مستعجلة على السجن.. إن شاء الله بسيطة؟”، وحين أخبرته أنها قادمة لزيارتي، أصر السائق بنبل على الدخول معها لإلقاء التحية والاطمئنان علي.
كنت امضي الليالي وأنا أجتر هذه المواقف المدهشة التي تعمق حتمية حبي لهذا البلد وأهله الطيبين.
منحتني مدينة بورتسودان شعوراً متقداً بالحب والامتنان لا ينطفئ أبدا، وطوقت عنقي بجميل لن أستطيع رده ما حييت. حتى أسرتي التي قدمت من الخرطوم لمؤازرتي، وقعت في غرام “الساحل الساحر”، وعادت محملة بفيض من الامتنان لثغره الباسم وأهله الأوفياء.
أما زملائي في “مهنة المتاعب”، فقد غمروني بمؤازرة فاقت كل توقعاتي، ولم يبخلوا حتى على زميلاتي النزيلات بهذه العناية؛ إذ سعوا لتقديم حلول تخفف عنهن وطأة الاحتجاز. تبرع أحدهم بمبرد مياه، وجلب آخر الطعام، وساهم بقيتهم بما جادت به أنفسهم، حتى بادلتهن النزيلات حباً بحب، وصرن يتبارين في تقديم ضيافة بسيطة من الماء والقهوة، أطلق عليها الزملاء الإعلاميون اسم: “قهوة السجن” كرمزية للتآلف في عز المحنة.
في المقابل، كان حضور القادة السياسيين وموظفي الدولة مبهرا؛ رأيت الأسف الصادق والجياش يرتسم في عيونهم، ولم يبخلوا علي بمشاعر التضامن النبيل والمساندة الحقيقية.
وفي غمرة تلك اللحظات، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ صديق قديم ، قدم لتوه من تركيا بعد طول غياب ، وأبى إلا أن تكون زيارتي هي محطته الأولى. ويا للمصادفة العجيبة! فمع وصوله إلى بوابة السجن، كان قد وصل في الوقت ذاته قرار المحكمة العليا بالإفراج عني. تملكه الذهول والدهشة، ولم تسعه الدنيا من الفرحة، فصار يردد بنبرة هستيرية:”يا أوشي.. كراعي حلوة!”، لتكون خطوته تلك هي مسك الختام لرحلة السجن.
ويبقى أبي.. فخري الذي لا ينطفئ، ذلك الرجل المبهر وقوي الإرادة الذي لا يعرف الاستسلام ابداً، المقدام حتى في أحلك ظروفه الصحية والحياتية. إنه صديقي الذي لا يخذلني أبداً؛ كان مستميتاً في إقناعي بأن هذه الغمة ستزول عاجلاً أم آجلاً، وأن علي ألا أتراجع خطوة واحدة عن المضي في مسيرتي ومحاربة الفساد والاستبداد ، حتى وإن كان الثمن عنقي على المقصلة. والحمد لله، لم ولن أخذله أبداً.
اخيراً.. أنا شديدة الامتنان للسودانيين بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم، قيادة وشعباً، على هذه الثقة الغالية والدعم النبيل. وأعدكم جميعاً، وفي كل الظروف ، بأن أكون دائماً على قدر هذا الحب، وحجم هذه الثقة.
محبتي واحترامي
وفي الحلقة القادمة والأخيرة.. سنتحدث عن كواليس تجارة وتعاطي المخدرات . سنروي حكايا صادمة ومؤلمة، كانت حاضرة في ليالي السجن، تدمي القلوب وتدق ناقوس الخطر.










