
عائشة الماجدي تكتب
حظر المواتر في الخرطوم: عندما يصبح العلاج أسوأ من الداء
بقلم: عائشة الماجدي
بعد أن وضعت الحرب أوزارها في العاصمة الخرطوم وبدأت الحياة تعود تدريجياً لوضعها الطبيعي، تفاجأ آلاف المواطنين بأن أداة أرزاقهم ما زالت محظورة. الحديث هنا عن الدراجات النارية (المواتر) التي تحولت من وسيلة نقل إلى قضية معيشية وأمنية معقدة.
الموتر شريان حياة لا ترف
في خرطوم ما بعد الحرب، حيث خرجت مئات الحافلات من الخدمة وتضاعفت تعرفة الركشة والأمجاد خمس مرات بعد زيادة أسعار الوقود، وأحياناً تصل الأزمة إلى مرحلة انعدام الوقود في الطلمبات، أصبح الموتر هو الحل الوحيد الذي يوصل الموظف إلى وظيفته براتب لا يكفي أصلاً، والطالب إلى جامعته، والعامل إلى موقع عمله. وفي كثير من الأحيان يرافق السائق كريمته إلى مكان عملها، كما يعتمد عليه مندوب التوصيل في توفير رزق أطفاله.
ظهر قرار الحظر الشامل وكان مبرراً في ذروة الانفلات الأمني خلال المراحل الأولى من التحرير، لكنه اليوم يقطع أرزاق ما يقارب 200 ألف أسرة تعتمد عليه بشكل مباشر. فهل يعقل أن نعالج جرحاً أمنياً ببتر شريان اقتصادي لمدينة كاملة؟
مرة سألت أحد الموظفين عن سبب بقائه في المنزل، فكان رده أنه أخذ إجازة بدون مرتب لأن الراتب الذي يتقاضاه من المؤسسة يصرف معظمه على المواصلات، لذلك لم يعد يرى جدوى من الاستمرار في الوظيفة.
من مفارقات العدالة عقاب الجماعة بذنب الفرد، لذلك نلتمس من اللجنة الأمنية التخفيف على المواطن مقابل الحسم والعقوبة للمتفلتين.
لا أحد يجادل في قرار اللجنة الأمنية، لكن هناك قلة استغلت المواتر في عمليات نهب وسرقة وتفلتات أمنية. هذه القلة لا تتجاوز العشرات، فهل من العدل أن يعاقب مئات الآلاف من الملتزمين الذين يسعون وراء لقمة عيشهم الحلال بسبب تصرفات البعض؟
القاعدة القانونية والشرعية تقول في معناها التخصيص لا التعميم. فالموتر في حد ذاته ليس أداة جريمة، بل وسيلة حركة كالسيارة يمكن استخدامها في الخير أو الشر.
الحل لا يكون بمنع الوسيلة، بل بضبط مستخدمها المخالف وتعريضه للمساءلة القانونية فوراً. وإلا فبنفس المنطق يجب حظر السيارات لأن البعض استخدمها في النهب وسرقة المنازل والتفحيط الذي يزهق الأرواح.
الأمن لا يتعارض مع المعاش
يبدو أن الحجة الأمنية في هذا الأمر تتراجع اليوم، فالأجهزة الأمنية نفسها تبشر المواطنين بالتحسن الملحوظ واستتباب الأمن في معظم أحياء العاصمة الخرطوم. فإذا انتفى السبب، فلماذا يستمر الحظر الكلي للمواتر؟
إن استمرار القرار الآن يخلق أزمة جديدة، وهي أزمة ثقة بين المواطن والدولة. المواطن الذي صبر على الحرب وعاد ليبني بيته يجد أن بعض المسؤولين يقفون في طريق رزقه بدلاً من تسهيله. هذا الأمر يولد احتقاناً لا تحتاجه الخرطوم في مرحلة التعافي الهشة الحالية.
يجب أن نسعى جميعاً إلى أن يكون التعافي شاملاً لحبل الود بين المواطن والمسؤول، حتى نتعاون في بناء سودان يتسم بالرقي وحسن التعامل.
إذاً ما هو البديل؟
في وجهة نظري، الحل في التقنين لا المنع.
الدول التي تحترم مواطنيها لا تلجأ إلى الحظر الشامل إلا كحل أخير ومؤقت. البديل موجود ومجرب ويحقق المعادلة الصعبة بين الأمن والمعاش.
تلزم أصحاب المواتر بترخيص إلزامي فوري، مع فتح باب الترخيص بلوحات جديدة كبيرة وواضحة وربطها بقاعدة بيانات الشرطة. أي موتر بدون لوحة تتم مصادرته فوراً.
ضبط الزمن والمسار من خلال منع الحركة من التاسعة مساءً حتى الخامسة صباحاً مثلاً، وتحديد شوارع سيادية يمنع سير المواتر فيها.
إلزام شركات التوصيل بتسجيل سائقيها ومواترها وتحميلها المسؤولية القانونية عن أي مخالفة.
بهذه الإجراءات يمكن التمييز بين صاحب الرزق الحلال والمجرم خلال فترة وجيزة، كما يمكن تحويل الموتر من تهديد أمني إلى أداة تنمية تساعد في دوران عجلة الاقتصاد المنهك.
رسالة أخيرة للمسؤولين المحترمين في اللجنة الأمنية
يا سعادة الوالي، يا سيادة رئيس الوزراء، يا سادة اللجنة الأمنية، نحن لسنا ضد الأمن، بل نحن أول المستفيدين منه. أبناؤنا وإخواننا في الشرطة والجيش يسهرون من أجل راحتنا، لكننا ضد أن يكون ثمن الأمن هو الجوع وتعطيل وسيلة رزق تسهم في تيسير الحياة اليومية للمواطن.
الخرطوم تحتاج اليوم إلى قرارات شجاعة تعيد الثقة بين الجميع. ارفعوا الحظر وقننوا المواتر واضربوا بيد من حديد على المخالفين. بذلك تحفظون الأمن وتصونون كرامة المواطن ولقمة عيشه.
وبس.











