مقالات

حين يُطعن الحكم… من يحكم غضب المجتمع؟

خرطوم سبورت

 

حين يُطعن الحكم… من يحكم غضب المجتمع؟

إسماعيل شريف

مساء اليوم، لم يكن الخبر الذي تناقله الناس عن مباراة لكرة القدم، ولا عن الفريق الذي توج بالبطولة، وإنما عن الحكم الذي غادر الملعب مصاباً بطعنة، بعد نهاية مباراة في إحدى البطولات الشعبية بالحاج يوسف، وفقاً للمعلومات المتداولة.

في لحظة، تحولت صافرة الحكم إلى صرخة ألم، وتحول الملعب الذي خُلق ليكون مساحة للفرح والتنافس الشريف إلى مسرح للعنف. والمؤلم أن الضحية لم يكن طرفاً في خصومة شخصية، بل كان يؤدي مهمة أوكلها إليه الجميع لإدارة مباراة يفترض أن تجمع الناس لا أن تفرقهم.

هذه الحادثة ليست مجرد اعتداء على حكم، وإنما جرس إنذار يدق في وجه المجتمع السوداني كله.

لقد أرهقت الحرب بلادنا، ولم تكتفِ بما خلفته من قتلى ونازحين وخراب، بل زرعت في النفوس قدراً كبيراً من الغضب والتوتر، حتى أصبح البعض يلجأ إلى العنف عند أول خلاف، وكأن الحوار لم يعد لغة، والقانون لم يعد مرجعاً، والصبر لم يعد فضيلة.

اليوم نرى العنف في الملاعب، وغداً قد نراه في المدارس والجامعات وأماكن العمل والأسواق، إذا لم نتدارك الأمر. فالعنف لا يبقى محصوراً في مكان واحد، بل ينتشر كالنار إذا وجد بيئة تسمح له بالتمدد.

إن أكثر ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط إعادة إعمار الطرق والجسور، وإنما إعادة إعمار الإنسان. نحتاج إلى خطاب جديد يزرع في الشباب قيمة احترام الآخر، ويؤكد أن الفوز الحقيقي ليس في إسقاط الخصم، وإنما في الانتصار على الغضب.

الأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، والإعلام مسؤول، والأندية الرياضية مسؤولة، والدولة مسؤولة عن تطبيق القانون بحزم على كل من يحول خلافاً رياضياً أو اجتماعياً إلى جريمة.

ولأن الرياضة كانت دائماً لغة للمحبة والسلام، فإن من المؤلم أن تتحول إلى ساحة لإراقة الدماء. فالمباراة تنتهي مع صافرة الحكم، أما الجراح التي يخلفها العنف فقد تبقى سنوات طويلة.

دعاؤنا الصادق بالشفاء العاجل للحكم إيهاب كازوكي، وتعاطفنا مع أسرته وكل من تأثر بهذه الحادثة. لكن أفضل تضامن معه هو ألا تتكرر مثل هذه المآسي مرة أخرى.

فلنقف جميعاً في وجه ثقافة العنف قبل أن تصبح واقعاً يومياً. ولنجعل شعارنا بسيطاً وعميقاً:

يمكن أن نختلف… لكن لا يحق لأحد أن يطعن إنساناً لأنه اختلف معه.

فالسودان الذي نحلم به لن يبنيه الأقوى جسداً، بل الأقوى أخلاقاً، والأقدر على تحويل الغضب إلى حكمة، والاختلاف إلى احترام، والملاعب إلى ساحات للمحبة لا للكراهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى