
مونديال 2026… عندما هزمت السياسة كرة القدم
إسماعيل شريف
منذ أن مُنحت الولايات المتحدة شرف استضافة كأس العالم 2026، كان الرهان أن تقدم نفسها بوصفها أرض الفرص والانفتاح والتنوع الثقافي، وأن تستثمر الحدث الرياضي الأكبر في العالم لتعزيز صورتها الدولية. لكن مع توالي الوقائع، بدأت صورة مختلفة تتشكل؛ صورة دولة تتقدم فيها السياسة على الرياضة، وتفرض فيها الحسابات الأمنية والسياسية نفسها حتى على المستطيل الأخضر.
كرة القدم ليست الرياضة الأولى في الولايات المتحدة، ولذلك كان المونديال فرصة استثنائية لواشنطن كي تخاطب العالم بلغة تختلف عن لغة القوة والسياسة. غير أن الأحداث المتلاحقة أوحت بأن السياسة قررت أن تكون اللاعب الأبرز في البطولة.
كانت البداية مع القيود الصارمة على دخول المشاركين والمشجعين. فقد مُنع الحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان، أحد حكام كأس العالم وأفضل حكم إفريقي لعام 2025، من دخول الولايات المتحدة رغم امتلاكه تأشيرة سارية، قبل أن تُثار مشكلات مماثلة طالت أعضاء في بعثة المنتخب الإيراني، إلى جانب شكاوى من مشجعين قدموا من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
هذه الوقائع لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل رسائل سياسية أضعفت واحدة من أهم قيم كأس العالم، وهي أن كرة القدم قادرة على تجاوز الحدود والخلافات، وأن الملاعب مساحة يلتقي فيها الجميع على قدم المساواة.
واليوم تتجه الأنظار إلى تطور أكثر خطورة، بعد الأنباء المتداولة عن سماح الاتحاد الدولي لكرة القدم بمشاركة اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون، رغم تعرضه للطرد في المباراة السابقة، وما تردد عن تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس فيفا لإلغاء الإيقاف.
وإذا ثبتت صحة هذه الرواية، فإن القضية لن تكون مجرد مشاركة لاعب، بل ستكون سابقة تمس جوهر العدالة الرياضية. فاللوائح لا تُكتب لتُطبق على الضعفاء فقط، وإنما لتخضع لها جميع المنتخبات، بما فيها الدولة المضيفة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بطولة رياضية هو شعور الجماهير بأن النتائج لا تُحسم داخل الملعب وحده، وإنما في المكاتب السياسية أيضاً. فالثقة هي رأس مال كرة القدم، وإذا اهتزت هذه الثقة، فقدت البطولة جزءاً كبيراً من قيمتها المعنوية مهما بلغت إيراداتها ونسب مشاهدتها.
لقد تأسست كأس العالم على فكرة أن الشعوب تتنافس داخل الملعب، لا أن تتصارع عبر النفوذ السياسي. وعندما يصبح عبور المطار معركة، أو تتحول اللوائح إلى مادة قابلة للتأويل وفق موازين القوة، فإن كرة القدم تخسر شيئاً من روحها.
قد تنجح الولايات المتحدة في تنظيم بطولة ضخمة من حيث الإمكانات والبنية التحتية والعائدات المالية، لكن التنظيم لا يُقاس بالملاعب وحدها، بل أيضاً بحياد الدولة المضيفة، واحترامها للمشاركين، وقدرتها على الفصل بين السياسة والرياضة.
يبقى الأمل أن يدرك الاتحاد الدولي لكرة القدم أن حماية نزاهة البطولة أهم من إرضاء أي دولة، مهما كان نفوذها. فالمونديال ملك للعالم، وليس ساحةً لتصفية الحسابات أو استعراض القوة.
وإذا استمرت هذه المؤشرات، فقد يذكر التاريخ مونديال 2026 ليس بوصفه بطولة الأرقام القياسية، بل البطولة التي انتصرت فيها السياسة على كرة القدم، والتأشيرة على الجماهير، والنفوذ على العدالة الرياضية.











