
رسالة عقار… بين ضغوط الخارج وأسئلة الداخل
إسماعيل شريف
في السياسة، لا تتحرك الأحداث بمعزل عن سياقاتها، كما أن توقيت المبادرات لا يقل أهمية عن مضمونها. ومن هذا المنطلق، يصعب النظر إلى الرسالة التي بعث بها نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، مالك عقار، إلى تحالف “صمود”، بمعزل عن التطورات السياسية والدبلوماسية التي سبقتها بأيام، وفي مقدمتها تصريحات المبعوث الأمريكي مسعد بولس أمام مجلس الأمن، وما أعقبها من سجال مع المندوب السوداني.
ولا يعني الربط بين الحدثين أن أحدهما جاء ردًا مباشرًا على الآخر، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى ما هو أكثر من تقارب التوقيت. لكن السياسة لا تُقرأ بالنصوص وحدها، بل بالسياق الذي تولد فيه، وبالرسائل التي تحملها، وبالأسئلة التي تثيرها. ومن هنا، يصبح توقيت مبادرة عقار عنصرًا أساسيًا في فهم أبعادها.
جاءت رسالة عقار مختلفة عن كثير من المبادرات السابقة. فهي لم تبدأ بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، ولم تنطلق من ترتيبات السلطة أو اقتسامها، وإنما طرحت سؤالًا اعتبرته سابقًا على كل ذلك: ما طبيعة الحرب الدائرة في السودان؟
هل هي حرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع؟ أم حرب على الدولة؟ أم صراع بين مشروعين سياسيين؟ أم أزمة ممتدة تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها؟
قد يختلف المرء مع هذا المدخل أو يتفق معه، لكنه يظل محاولة لنقل النقاش من إدارة نتائج الحرب إلى البحث في أسبابها، ومن تفاصيل الأزمة إلى جذورها.
غير أن أهمية الرسالة لا تكمن في مضمونها وحده، بل في الجهة التي اختارت مخاطبتها.
فبحسب ما نُشر، فإن الرسالة وُجهت عمليًا إلى تحالف “صمود”، رغم أنها صيغت بعنوان عام موجه إلى القوى السياسية والتحالفات المدنية. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا “صمود” تحديدًا؟
لا يقدم النص إجابة مباشرة، لكنه يفتح الباب أمام أكثر من قراءة. فقد يكون الأمر تعبيرًا عن قناعة بأن “صمود” ما تزال تمثل طرفًا مدنيًا يمكن التحاور معه، وقد يكون محاولة لاختبار استعدادها للانخراط في حوار حول القضايا التي تضمنتها الرسالة، وقد يُقرأ أيضًا بوصفه رسالة سياسية تعيد رسم خريطة الشركاء المحتملين في أي مسار سياسي قادم. وفي المقابل، يلفت الانتباه غياب قوى أخرى، وفي مقدمتها تحالف “تأسيس”، عن دائرة المخاطبة المباشرة، وهو تفصيل لا يبدو عابرًا في حسابات السياسة.
وتزداد أهمية هذا التوقيت إذا وُضع في سياق التحركات الدولية الأخيرة.
فقد جاءت الرسالة بعد أيام من تصاعد الضغوط الأمريكية الداعية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية، وبعد تصريحات مسعد بولس التي أثارت جدلًا واسعًا بشأن مسؤولية تعثر جهود السلام، قبل أن يرد عليها مندوب السودان في الأمم المتحدة برفض تلك القراءة. وبين هذين الموقفين، برزت رسالة عقار كأول مبادرة سياسية معلنة تصدر من شخصية تشغل موقعًا متقدمًا داخل السلطة، وتدعو إلى حوار مباشر حول طبيعة الحرب ومستقبل الدولة.
وهنا تتعدد القراءات.
فالقراءة الأولى ترى أن الرسالة تمثل محاولة جادة لكسر الجمود السياسي، انطلاقًا من قناعة بأن الحرب، مهما طالت، لن تنتهي بحسم عسكري، وأن التوافق حول تعريف الأزمة يمثل المدخل الطبيعي لأي تسوية مستدامة.
أما القراءة الثانية، فترى أن المبادرة تحمل في طياتها رسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن معسكر بورتسودان لا يغلق الباب أمام الحل السياسي، وأن داخله تيارًا يدعو إلى الحوار وإعادة بناء التوافق الوطني.
في حين تذهب قراءة ثالثة إلى أن توقيت الرسالة يسمح بالنظر إليها بوصفها محاولة لإعادة تقديم موقف السلطة سياسيًا بعد تصاعد الانتقادات الدولية، وإظهار استعدادها للانخراط في مسار حوار. وهذه القراءة تظل احتمالًا سياسيًا مشروعًا، لكنها تبقى في إطار التحليل، لا في إطار الجزم بالدوافع.
كما تضع الرسالة تحالف “صمود” نفسه أمام اختبار سياسي. فقبول الدعوة يعني الانخراط في نقاش مباشر حول تعريف الحرب ومستقبل الدولة، ورفضها يستدعي تقديم تفسير سياسي للرأي العام، خاصة وأن الرسالة تتناول قضايا ظلت محل خلاف بين مختلف القوى السودانية منذ اندلاع الحرب.
وفي تقديري، فإن أهمية الرسالة لا تكمن في الإجابات التي قدمتها بقدر ما تكمن في الأسئلة التي طرحتها. فهي أعادت النقاش إلى السياسة بعد أن ظل طويلًا أسير الميدان، وأعادت فتح ملفات الجيش، والقوات الموازية، والإسلاميين، والعلاقة بين المركز والهامش، ودور المجتمع الدولي، وهي ملفات لن تختفي حتى إذا توقفت الحرب غدًا.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا بعد الرسالة؟
الإجابة لن تقدمها البيانات ولا المقالات، وإنما ستقدمها الوقائع. فإذا تحولت هذه الدعوة إلى حوار حقيقي، ونجحت في فتح نافذة للتواصل بين الفرقاء، فستكتسب قيمتها السياسية والتاريخية. أما إذا بقيت في حدود الرسائل المتبادلة، فإنها ستصبح محطة أخرى في سجل المبادرات التي لم تستطع تجاوز الورق إلى الواقع.
لقد أثبتت الحرب أن الرهان على السلاح وحده لا يصنع سلامًا، كما أثبتت التجربة أن المبادرات التي لا تجد إرادة سياسية تتحول سريعًا إلى وثائق مؤرشفة. لذلك، فإن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد تبادل للمواقف، بل شجاعة في مراجعة المواقف، واستعداد لتقديم التنازلات التي تحفظ الدولة وتحمي المجتمع.
قد يختلف السودانيون في تفسير هذه الحرب، وفي تقييم أطرافها، وفي تصور الطريق إلى نهايتها، لكن ما لا ينبغي أن يختلفوا عليه هو حق هذا الشعب في السلام. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الدم والنزوح والانقسام، لم يعد المواطن يبحث عمن ينتصر بقدر ما يبحث عن وطن يستعيد أمنه، ودولة تحمي أبناءها، ومستقبل يفتح أبواب الحرية والعدالة والاستقرار.
قد لا يكون الخلاف اليوم حول كيفية إنهاء الحرب، بقدر ما هو حول كيفية بناء السلام. أما السودانيون، فقد تجاوزوا منذ زمن رفاهية انتظار من ينتصر، وأصبحوا ينتظرون من ينجح في إعادة الوطن إليهم.











