
ليس بالذهب وحده يثرى السودان!
عثمان ميرغني
قبل يومين، زرتُ الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، وتجولتُ في متحفها العلمي الذي يفيض بمعلومات مدهشة عن ثرواتنا المعدنية. يظن غالبية الناس أن الذهب وحده يتربع على عرش مواردنا في باطن الأرض، بينما الحقيقة أن قائمة المعادن التي تتمتع بها أرض السودان طويلة جداً، وبعضها أغلى ثمناً ومتوفر في معظم جبالنا وسهولنا.
أول ما لفت انتباهي أن الهيئة أطلقت على المتحف اسم الدكتور محمد سعيد زين العابدين (رحمه الله)، الذي تولى منصب المدير العام والوكيل السابق للوزارة، وله إنجازات استحق بها أن يُخلّد اسمه. وليت الإدارات والهيئات الحكومية تتبع هذا النهج؛ بأن يكون للذين وضعوا بصماتهم تذكارٌ يمدّ وجودهم المعنوي بعد أن يترجلوا عن صهوة العمل التنفيذي.
سألتُ الدكتور أحمد هارون التوم، المدير العام للهيئة: “الرئيس الأمريكي ترامب يصر في علاقاته مع بعض الدول على المساومة على المعادن النادرة، فما هي هذه المعادن؟ وهل يملك السودان نصيباً منها؟”
أجابني الدكتور هارون بأن مصطلح “المعادن النادرة” نفسه يتغير ويتحور بحسب الزمان والظروف السياسية التي تحيط بالعالم؛ فما يُعد معدناً نادراً في زمن ما، قد لا يكون كذلك إذا تجاوزه الزمن والظرف العالمي الدائم الحركة في البحث عن مواطن القوة.
حاليًا، يكثر الحديث عن “معادن الطاقة”؛ مثل الليثيوم، الجرافيت، الكوبالت، النحاس، وبالطبع اليورانيوم. وقد أنعم الله على بلادنا بكل هذه المعادن وبكميات هائلة.
أما ما يثير الانتباه حقاً، فهو عينات الرمال الصالحة لإنتاج خلايا الطاقة الشمسية، إذ تفتح للسودان باباً واسعاً للانطلاق في فضاءات الطاقات المتجددة. وحسب ما ذكرت الدكتورة كوثر الطيب، يتمتع السودان بكميات هائلة من هذه الرمال في منطقتي “بارا” و”المتمة”، وهي من أجود الأنواع عالمياً لإنتاج الخلايا الشمسية.
قفز إلى ذهني لحظتها سؤالٌ ملحّ عن علاقة “البحث العلمي” بتطوير موارد السودان الطبيعية والبشرية والجيواستراتيجية.
لهيئة الأبحاث الجيولوجية أثرٌ واضح لا ينكره أحد؛ لكونها تعمل في مجال ذائع الصيت وتتولى أدواراً تنفيذية مباشرة في استكشاف المعادن والثروات الباطنية، بما فيها النفط والمياه. لكن هناك الكثير من الهيئات والمؤسسات العلمية البحثية التي لا يُسمع لها ركْزاً، بل يمتد السؤال أيضاً إلى أطنان الدراسات الأكاديمية (ورسائل الدكتوراة) وأثرها الغائب في تطوير المجالات التي تبحثها. من الواضح أن هناك فجوة هائلة بين مخرجات الأبحاث عموماً ومطلوبات بناء وطن قادر على استثمار موارده وصناعة مستقبله.
في تقديري، إن هيئة بحثية متخصصة بهذا الحجم يجب أن تحظى باهتمام رسمي أكبر؛ بأن يُخصص لها مقرٌ واسع ومعامل متطورة وإمكانيات مادية تؤهلها لترقية أعمالها الميدانية والاستكشافية، والتي يمكن أن تدرّ على السودان عوائد اقتصادية ضخمة.
#حديث_المدينة الأربعاء 26 أغسطس 2026











