الاخبار

غلاء التمباك يعكر «المزاج السوداني»

خرطوم سبورت

 

غلاء التمباك يعكر «المزاج السوداني»

إسماعيل شريف

للسوداني مع التمباك علاقة قديمة، لا تختصرها علبة أو كيس يُشترى من دكان الحي. فقد دخل التمباك في تفاصيل الحياة اليومية عند شريحة واسعة من السودانيين، وارتبط بالمجالس واللقاءات والعادات، حتى أصبح حضوره في المجتمع أمراً مألوفاً، رغم الجدل الصحي والاجتماعي حوله.
ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول زيادة سعره إلى حديث في الأسواق ومواقع التواصل، وأن تظهر شكاوى المواطنين، بل وأن تخرج عبارات ساخرة من نوع «الشعب يطالب بدعم التمباك».
لكن خلف السخرية قصة اقتصادية تستحق التأمل.
فالتمباك يبدأ رحلته من مناطق الإنتاج في دارفور، ثم يحتاج إلى طريق طويل حتى يصل إلى أسواق الشمال والوسط. والحرب لم تترك هذا الطريق كما كان؛ فقد تعطلت حركة التجارة، وارتفعت كلفة الترحيل، وتعرضت شحنات للمصادرة.
وفي يوليو الماضي، أفادت تقارير بمصادرة أكثر من 15 شاحنة محملة بالتمباك كانت في طريقها من شمال دارفور إلى شمال السودان، وقال تجار إن ذلك ألحق خسائر بالمزارعين والتجار وأثر في حركة المحصول. والمفارقة أن سعر القنطار في مناطق الإنتاج انخفض، وفق المصدر نفسه، من نحو 650 ألف جنيه إلى 400 ألف جنيه بعد تعطل حركة الشحن.
في الطرف الآخر من الطريق كانت الصورة مختلفة تماماً. ففي أغسطس ارتفع سعر أصغر عبوة في بعض الأسواق من ألف إلى ألفي جنيه، وعزا أصحاب المحال الزيادة إلى ارتفاع تكلفة الترحيل من دارفور ونقص الوارد.
وفي سبتمبر، بلغ سعر رطل التمباك الجاف في منطقة العماري بنهر النيل بين 50 و60 ألف جنيه، والكيس بين 3 و4 آلاف جنيه، بينما وصلت العبوة إلى 2500 جنيه، بحسب إفادات أصحاب محال هناك، الذين أرجعوا الزيادة إلى قلة الخام وصعوبة نقله إلى الأسواق.
وهنا تكمن المفارقة المحصول قد يرخص في مكان إنتاجه، بينما يغلو في مكان استهلاكه.
ليس بالضرورة أن يكون السبب احتكاراً واحداً أو تاجراً واحداً. فتكلفة الطريق نفسها أصبحت جزءاً من سعر السلعة: نقل، ومخاطر، وتعطيل، ونقص في المعروض، إلى جانب ارتفاع تكاليف مواد التعبئة وبعض مستلزمات الإنتاج. وفي أبريل مثلاً، أعلن اتحاد التجار في الولاية الشمالية زيادة سعر «كيس الدكان» إلى ألفي جنيه، مبرراً ذلك بارتفاع الخام والترحيل والعطرون ومواد التعبئة.
ثم تأتي الضغوط الاقتصادية العامة لتكمل الحلقة. فتراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع أسعار السلع والخدمات يجعل التاجر أكثر حساسية لتكلفة إعادة شراء بضاعته، ويجعل المستهلك أكثر قدرة على الشعور بأي زيادة، مهما بدت السلعة صغيرة في حجمها.
أما أثر الزيادة، فلا يقف عند المواطن الذي اعتاد شراء التمباك. فارتفاع السعر يضغط على ميزانية المستهلك، وقد يدفع بعض المتعاطين إلى تقليل الكمية أو البحث عن بدائل أرخص، كما يفتح الباب أمام منتجات أقل جودة أو مجهولة المصدر. وفي الجانب الآخر، فإن اضطراب التجارة يضر بالمزارع الذي قد لا يحصل على نصيب عادل من السعر المرتفع الذي يدفعه المستهلك في المدن.
وهكذا يصبح التمباك، من حيث لا يقصد أحد، مرآة صغيرة لاقتصاد الحرب: منتج يزرع في منطقة، وطريق يفصلها عن السوق، وشحنة تتعطل، وتكلفة تتراكم، ثم يصل المنتج إلى المستهلك بسعر لا يشبه سعره عند المصدر.
ليست القضية هنا دعوة إلى دعم التمباك، ولا دفاعاً عن عادة يختلف الناس حولها، وإنما قراءة لما يحدث في السوق.
فحين يرتفع سعر التمباك من ألف إلى ألفين، ثم يصل الكيس إلى آلاف الجنيهات والرطل إلى عشرات الآلاف، فإن المسألة لا تتعلق بـ«المزاج» وحده.
**أحياناً تكفي سلعة صغيرة لكي تخبرنا بحجم الاضطراب في الاقتصاد الكبير.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى