
أزمة الوقود في السودان.. 8 شركات مؤهلة… من يثير الغبار ؟
تواجه منظومة إمداد الوقود في السودان تحديات متزايدة، وسط تساؤلات بشأن أسباب نقص المنتجات البترولية، ودور آلية الاستيراد وتمويل الشحنات في تعثر وصول الإمدادات إلى الولايات. وبينما تثار اتهامات بالاحتكار، تشير المعلومات المتعلقة بآلية الاستيراد إلى أن عدم قدرة البنك المركزي على توفير القيمة الكاملة للشحنات في الوقت المحدد يمثل أحد أبرز أسباب تأخر التفريغ وتفاقم أزمة الإمداد.
من 39 شركة إلى 8 شركات مؤهلة للاستيراد
في مايو 2025، أقرت وزارة الطاقة والنفط نظام العمل بالمجموعات، الذي شمل 39 شركة من القطاع الخاص موزعة على خمس مجموعات، على أن تتقاسم حصص الاستيراد مع أربع شركات حكومية هي: النيل، وأسوار، وقادرة، وإندونايل، وفقاً للمعلومات الواردة.
وبحسب الرواية المقدمة بشأن أسباب الأزمة، أفرز النظام تحديات تتعلق بتفاوت القدرات المالية للشركات، إذ لم تتمكن بعض الشركات من تحمل تكاليف الاستيراد في ظل ظروف الحرب وتعطل قنوات التمويل التقليدية. واتجهت شركات، وفقاً للمعلومات ذاتها، إلى مصادر تمويل بديلة في سوق النقد الأجنبي، ما أضاف تكاليف تمويلية إلى تكلفة استيراد الوقود وأثر في استقرار الإمداد.
وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات وتقليل تكاليف التمويل، اتجهت الدولة إلى فرض اشتراطات مالية أكثر صرامة، من بينها تقديم ضمان عيني يعادل 200 كيلوغرام من الذهب للدخول في منظومة الاستيراد.
وأدت هذه الاشتراطات، بحسب المعلومات المتاحة، إلى استبعاد 35 شركة، واستقرار عمليات الاستيراد على ثماني شركات هي: النيل، وقادرة، وأسوار، وإندونايل، ونبتة، والمقرن، وبترونور، والعطا.
وتهدف الآلية، وفقاً للتفسير الذي تقدمه الجهات المدافعة عنها، إلى قصر عمليات الاستيراد على الشركات ذات المقدرة المالية، وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل غير الرسمية، وضمان قدرة المستوردين على الوفاء بالتزاماتهم تجاه الموردين الدوليين.
كيف تُدار عملية استيراد الوقود؟
تعتمد آلية الاستيراد، وفقاً للمعلومات الواردة، على سلسلة من الإجراءات تبدأ بتحديد احتياجات البلاد الشهرية، وتنتهي باعتماد تكلفة اللتر وتوزيع الكميات على الولايات.
وتطرح وزارة الطاقة والنفط احتياجات الشهر المقبل، ثم توزع الحصص بالتساوي على الشركات المؤهلة. وتتولى الشركات التعاقد مع الموردين العالميين لتوفير الشحنات وفق المواعيد المحددة لوصولها وتوريدها، المعروفة تجارياً باسم (Laycan).
وبعد إتمام التعاقد، ترسل الشركة المستوردة فاتورة الشحنة إلى وزارة الطاقة والنفط، التي تخاطب البنك التجاري المعني لاستكمال إجراءات مخاطبة بنك السودان المركزي بشأن توفير النقد الأجنبي اللازم لسداد قيمتها. وفي المقابل، توفر الشركة المستوردة المقابل بالجنيه السوداني وفق سعر الصرف الذي تحدده الجهة المختصة.
وتُحدد أسعار المنتجات البترولية، بحسب المعلومات الواردة، استناداً إلى مؤشرات بلاتس (Platts)، إلى جانب علاوة السعر (Premium)، التي تتأثر بعوامل العرض والطلب والتغيرات الجيوسياسية والمناخية وتكاليف الشحن والتوريد.
وتشمل التكلفة أيضاً رسوماً حكومية قُدرت بنحو 31% من قيمة الفاتورة، وتشمل الضرائب والجمارك والموانئ ورسوم وزارة الطاقة والنفط ورسوم فرق المحروقات، وفقاً للمعلومات المقدمة.
بعد ذلك، تقدم الشركة تكلفة الشحنة إلى لجنة مختصة لاعتماد تكلفة اللتر وتحديد السعر المعلن، وتضم اللجنة ممثلين لإدارات الإمداد وتجارة النفط والمنتجات البترولية والتوزيع، إلى جانب ممثلين للأمن الاقتصادي وبنك السودان والضرائب والجمارك والموانئ.
وتشير المعلومات إلى أن هامش ربح الشركة لا يتجاوز 4%، على أن تخضع التكلفة للاعتماد قبل إعلان السعر النهائي.
هل تمثل مشكلة التمويل السبب الرئيسي في تعثر الإمداد؟
تتمثل العقدة الأساسية، وفقاً للمعلومات الواردة، في قدرة بنك السودان المركزي على توفير قيمة الشحنات المستوردة كاملة في الوقت المحدد.
فالشركات المستوردة، بحسب الرواية المقدمة، تلتزم بمواعيد وصول الشحنات وتسدد الرسوم الحكومية وتوفر المقابل المحلي المطلوب، لكن البنك المركزي لا يستطيع في بعض الحالات توفير قيمة الشحنة كاملة دفعة واحدة.
وتظهر المشكلة عندما يشترط المورد الدولي سداد قيمة الشحنة بالكامل قبل تفريغها، أو يوافق على تفريغ كمية تتناسب مع المبلغ الذي تم سداده فقط. وفي هذه الحالة، لا تستطيع الناقلة تفريغ كامل حمولتها، فتفرغ جزءاً من الشحنة وتنتظر استكمال المبلغ المتبقي قبل مواصلة التفريغ.
وتؤدي هذه العملية إلى إطالة زمن بقاء الناقلات في الموانئ وتأخير وصول الكميات إلى الأسواق، الأمر الذي قد يخلق فجوة بين الاحتياجات الفعلية للبلاد والكميات المتاحة للاستهلاك.
وبحسب هذا التفسير، فإن الأزمة لا ترتبط بالضرورة بعدم التعاقد على الشحنات أو عدم وصولها إلى الموانئ، بل قد تنشأ من تعثر توفير النقد الأجنبي اللازم لاستكمال سداد قيمتها وتفريغها في الوقت المناسب.
غير أن تحديد مدى مسؤولية التمويل عن الأزمة بصورة قاطعة يتطلب بيانات تفصيلية عن قيمة الشحنات، والمبالغ المسددة، ومواعيد التفريغ، وحجم المخزون، والكميات الموزعة على الولايات.
آلية توزيع الكميات والجدل حول الاحتكار
تقول المعلومات الواردة إن توزيع المنتجات البترولية يخضع للجنة مختصة تضم مدير إدارة الإمداد وتجارة النفط، وممثل الأمن الاقتصادي، ومدير إدارة المنتجات البترولية، ومدير إدارة التوزيع.
وتتولى اللجنة اعتماد كشوف توزيع الكميات بهدف تغطية احتياجات الولايات ومنع تركز المنتجات في مناطق محددة.
وتستند الجهات المدافعة عن الآلية إلى وجود هذه اللجان، إلى جانب تحديد الأسعار وهامش الربح والاشتراطات المالية، للرد على الاتهامات المتعلقة بالاحتكار.
لكن وجود لجان رقابية وتنظيمية لا يكفي وحده لنفي الاحتكار بصورة نهائية؛ إذ يتطلب تقييم السوق الاطلاع على معايير توزيع الحصص، والكميات الفعلية التي تحصل عليها كل شركة، ومدى الالتزام بالتوزيع، والفروق بين احتياجات الولايات والإمدادات التي تصل إليها.
كما أن اقتصار الاستيراد على ثماني شركات لا يثبت بمفرده وجود احتكار ضار، ولا ينفيه تلقائياً، بل يتوقف الحكم على مدى شفافية إجراءات التأهيل، وتكافؤ فرص المنافسة، وقدرة الشركات المؤهلة على تغطية الطلب بصورة منتظمة.
الحرب والعوامل الخارجية تزيد ضغوط الإمداد
تأتي تحديات استيراد الوقود في ظل ظروف الحرب التي أثرت في النشاط الاقتصادي وقنوات التمويل والتجارة، وزادت من صعوبة توفير النقد الأجنبي اللازم لتغطية الواردات.
كما يمكن للتوترات الجيوسياسية العالمية، بما فيها التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، أن تؤثر في أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين وعلاوات المخاطر.
وفي ظل هذه المتغيرات، تزداد أهمية توفير التمويل في الوقت المناسب، وضمان انسياب عمليات التفريغ، وإدارة المخزون بصورة تساعد على مواجهة أي تأخير في وصول الشحنات.
أما ما يثار بشأن تخزين الوقود لفترات أطول بهدف زيادة الأرباح، فيحتاج إلى بيانات عن مستويات المخزون ومعدلات السحب وتوقيت توزيع الكميات، للتمييز بين التخزين الاستراتيجي الضروري والممارسات التي قد تؤدي إلى حجب الإمدادات عن السوق.
ما الحلول المطلوبة لتجاوز الأزمة؟
تتطلب معالجة أزمة الوقود، في ضوء الأسباب الواردة، اتخاذ خطوات عملية لضمان انسياب التمويل والتفريغ والتوزيع.
ويأتي في مقدمة هذه الخطوات وضع جدول زمني واضح لتوفير النقد الأجنبي للشحنات المتعاقد عليها، بما يتناسب مع مواعيد وصول الناقلات والتزامات السداد تجاه الموردين الدوليين.
كما تبرز الحاجة إلى نشر بيانات دورية عن الاحتياجات الشهرية، والكميات المتعاقد عليها، والشحنات التي وصلت إلى الموانئ، والكميات التي تم تفريغها، والمخزون المتاح، وحجم التوزيع على الولايات.
ومن الضروري أيضاً مراجعة مكونات تكلفة اللتر والرسوم الحكومية وهامش الربح، مع إتاحة المعلومات التي تساعد على التحقق من الأسعار المعتمدة ومدى التزام الشركات بها.
ويمكن أن تسهم مراجعة معايير تأهيل الشركات وتوزيع الحصص في تعزيز الشفافية، وضمان استمرار المنافسة، وربط الحصص بقدرة الشركات على الوفاء بالتزامات الاستيراد والتوزيع.
الخلاصة
تسلط المعلومات المتعلقة بآلية استيراد الوقود في السودان الضوء على تحديات مالية وتشغيلية تتجاوز مسألة عدد الشركات العاملة في السوق. فمع اعتماد الاستيراد على ثماني شركات مؤهلة، تبرز مسألة توفير النقد الأجنبي بوصفها حلقة حاسمة في استكمال سداد قيمة الشحنات وتفريغها.
وإذا صحت المعلومات بشأن عدم قدرة البنك المركزي على توفير قيمة الشحنات كاملة في الوقت المحدد، فإن ذلك يمثل عاملاً مهماً يستحق المعالجة العاجلة، لأنه قد يؤدي إلى تأخر الإمدادات حتى بعد وصول الناقلات إلى الموانئ.
لكن معالجة الأزمة بصورة مستدامة تتطلب أيضاً التحقق من كفاءة توزيع الكميات، وشفافية التسعير، ومستويات المخزون، ومدى التزام الشركات بتغطية احتياجات الولايات.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح آلية الاستيراد بعدد الشركات المؤهلة أو حجم الضمانات المالية، بل بقدرتها على توفير الوقود للمواطنين والقطاعات الإنتاجية بصورة منتظمة، وبأسعار مبررة، وبما يضمن وصول الإمدادات إلى جميع الولايات دون تأخير غير مبرر.











