الاخبار

التعليم السوداني.. حوارٌ يعود من الذاكرة إلى أسئلة المستقبل

خرطوم سبورت

 

 

التعليم السوداني.. حوارٌ يعود من الذاكرة إلى أسئلة المستقبل

إسماعيل شريف

ما زلت أشعر بالفخر وأنا أستعيد ذلك اللقاء الذي جمعني بالأستاذ محمد الشيخ مدني، وزير التربية والتعليم الأسبق بولاية الخرطوم، على أثير إذاعة «برو أف أم 109.9»، في الثلاثين من يناير 2023، للحديث عن قضايا التعليم السوداني ومستقبله. كان حوارًا مباشرًا على الهواء، لكنه تجاوز حدود اللقاء الإذاعي ليصبح مدخلًا لنقاش أوسع حول واقع التعليم، وما أصابه من اختلالات، وما يحتاج إليه من مراجعة جادة.

وقد أسعدني أن أجد أصداء ذلك اللقاء تتجدد في تعليقات زملاء وأصدقاء، بينهم الأستاذ حيدر محجوب، مساعد مدير امتحانات السودان السابق، والعقيد شرطة مأمون الطاهر، مدير الشرطة الأمنية بمحلية بحري؛ إذ لم تقتصر مداخلاتهما على الإشادة باللقاء، وإنما امتدت إلى قضايا جوهرية تمس حاضر التعليم السوداني ومستقبله.

يرى الأستاذ حيدر محجوب أن حكومة الإنقاذ وسّعت فرص الالتحاق بالتعليم، لكنها لم تمنح المعلم ما يستحقه من تدريب وتأهيل ورعاية مادية، الأمر الذي أسهم في إضعاف جاذبية المهنة أمام المتفوقين. واستدعى في هذا السياق تجربة معهد المعلمين العالي، حين كانت ترتيبات الدراسة والتعيين والحوافز تشجع الطلاب المتميزين، بمن فيهم من يتحملون مسؤولية إعالة أسرهم، على اختيار مهنة التعليم.

كما طرح رؤيته بشأن بنية النظام التعليمي، معترضًا على إلغاء المرحلة المتوسطة، وداعيًا إلى مدارس متكاملة تمتد من الصف الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي، بالتوازي مع التوسع في التعليم الفني بمساراته الصناعية والزراعية والتجارية والنسوية، وإعادة معاهد تدريب المعلمين وتأهيلهم، والاستفادة من تجارب دول نجحت في تطوير نظمها التعليمية، مثل اليابان وسنغافورة.

أما العقيد مأمون الطاهر، فقد دعا إلى توسيع النقاش بشأن إصلاح التعليم، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى، مع مراعاة التحولات السكانية والتكنولوجية، واتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والانفتاح العالمي والهجرة. وأبدى تحفظه على فكرة تخصيص مدرسة قومية في كل ولاية، مستحضرًا التغيرات التي طرأت على المجتمع والأسرة، وصعوبة العودة إلى نمط التعليم الداخلي الذي كان مألوفًا في مراحل سابقة. كما أكد أهمية رعاية الدولة للمدارس الحكومية، وتمسكه بالسلم التعليمي (6/3/3)، الذي يراه الأنسب.

وبين الرؤيتين مساحة واسعة للاتفاق؛ فكلاهما يضع إصلاح التعليم في صدارة الأولويات، ويؤكد ضرورة توسيع دائرة الحوار والاستفادة من تجارب الآخرين. أما الاختلاف حول السلم التعليمي، والمدارس القومية، وشكل المؤسسة التعليمية، فيكشف أن القضية أكبر من قرار إداري أو تعديل في عدد سنوات الدراسة؛ إنها منظومة متكاملة تتداخل فيها المناهج، وتأهيل المعلمين، والتمويل، والبيئة المدرسية، والتحولات الاجتماعية والتكنولوجية.

ولعل أهم ما تكشفه هذه المداخلات أن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يظل أسير القرارات المتعاقبة أو الاجتهادات الفردية، بل يحتاج إلى حوار مؤسسي واسع تشارك فيه الخبرات التربوية، والمعلمون، والإداريون، وأولياء الأمور، والباحثون، على أن تُدرس المقترحات في ضوء الواقع السوداني، وتُقارن بالتجارب الناجحة، ثم تُترجم إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.

لقد أسعدني ما حملته الرسالتان من تقدير شخصي واعتزاز بزمالة جمعتنا في محطات من العمل العام، لكن ما يعنيني أكثر هو أن يظل النقاش الذي بدأ في ذلك اللقاء مفتوحًا؛ فالتعليم ليس شأنًا يخص وزارة أو حكومة وحدها، بل هو قضية وطن يبحث عن طريق النهوض من كبوته.

وإذا كان الحوار قد مضى عليه أكثر من ثلاث سنوات، فإن الأسئلة التي طرحها لم تفقد راهنيتها. وربما أصبح استعادته اليوم، في ظل ما يواجهه السودان من حرب واضطراب وتحديات تمس مؤسساته التعليمية، أكثر إلحاحًا من ذي قبل.

فالأوطان التي تتطلع إلى النهوض لا تبدأ من حيث توقفت حروبها فحسب، بل من حيث تستعيد قدرتها على بناء الإنسان؛ والمعلم، والمدرسة، ونظام التعليم، ليست تفاصيل في مشروع النهضة، وإنما هي بعض أهم شروطها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى