لقمان الكنزي يكتب : من رماد الأثير إلى أفق التجديد .. هل يقود القطاع الخاص نهضة الإذاعات السودانية بعد الحرب؟
خرطوم سبورت

من رماد الأثير إلى أفق التجديد .. هل يقود القطاع الخاص نهضة الإذاعات السودانية بعد الحرب؟
قلم جاف: لقمان الكنزي
لم تكن حرب المليشيا المتمردة على الدوله مواجهة بالسلاح فقط انما كانت أيضًا حربا على الصوت على الكلمة على الأثير الذي ظل لعقود ينقل نبض الناس ويصنع وجدانهم. وبينما امتدت يد الدمار إلى البنية التحتية والخدمات كان القطاع الإعلامي الخاص أحد أكثر القطاعات تضررا حيث دمرت المليشيا المتمردة ما يقارب الأربعين إذاعة FM يتبع معظمها للقطاع الخاص في خسارة لا تُقاس فقط بالأجهزة والمباني بل بما هو أعمق يمكننا القول انه خسارة منصات كانت تمثل فضاء للتعبير والتنوير والتنمية.
هذه الحقيقة المؤلمة تطرح سؤالا جريئا هو هل ما حدث نهاية لدور القطاع الخاص في الإذاعة أم بداية جديدة أكثر قوة ونضجا؟
والحقيقة أن القطاع الخاص بطبيعته المرنة وقدرته على التكيف يظل الأكثر قدرة على النهوض من تحت الركام. فالتاريخ الاقتصادي يؤكد أن فترات ما بعد الحروب غالبا ما تشهد ولادة استثمارات جديدة مدفوعة بالحاجة لإعادة البناء وبفرص لم تكن متاحة في ظل الأوضاع التقليدية. والإذاعة رغم كل ما يقال عن صعود الوسائط الرقمية ما تزال في السودان وسيلة الإعلام الأكثر انتشارا وتأثيرا خاصة في المجتمعات الطرفية والريفية.. حيث تظل الموجة القصيرة وذبذبات الـ FM أقرب إلى الناس من أي منصة أخرى.
لكن إعادة بناء الإذاعات الخاصة لا ينبغي أن يكون إعادة إنتاج للنموذج القديم نفسه. فالحرب رغم قسوتها منحت فرصة نادرة لإعادة التفكير في شكل ومضمون العمل الإذاعي.
لقد آن الأوان للخروج من عباءة الإذاعة التقليدية التي تكتفي بالمذيع والميكروفون وبعض الأغنيات والبرامج النمطية إلى مفهوم الصناعة الإذاعية المتكاملة التي تقوم على المحتوى الاحترافي والتقنيات الحديثة والمنصات المتعددة.
الإذاعة الحديثة أصبحت حزمة إعلامية متكاملة تشمل البث الأرضي والبث عبر الإنترنت والبودكاست والتطبيقات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. وهذا التحول يفتح افاقا استثمارية واسعة حيث يمكن للقطاع الخاص أن يحول الإذاعة من مشروع محدود الموارد إلى منصة إعلامية مربحة ومستدامة.
كما أن المرحلة القادمة تتطلب محتوى مختلفًا… محتوى أكثر جرأة وعمقا يناقش قضايا الناس الحقيقية ويساهم في إعادة بناء الوعي الوطني ويدعم جهود التنمية والسلام. فالمستمع السوداني اليوم لم يعد ذلك المتلقي السلبي بل أصبح جزءًا من الفضاء الإعلامي العالمي يقارن ويقيم ويبحث عن الجودة حيث لامناص من مواكبة الاذاعات المحلية للمعايير العالمية في هذه الصناعة.
ومن هنا فإن نجاح الإذاعات الخاصة في المستقبل يقاس بذكاء الفكرة وجرأة الطرح واحترافية التناول.
غير أن تحقيق هذه النهضة يتطلب بيئة استثمارية مشجعة تشمل تسهيلات حكومية وإعفاءات جمركية على معدات البث وسياسات إعلامية واضحة وعادلة تضمن المنافسة الحرة وتحمي الاستثمار الوطني.
أن إعادة إعمار الإذاعات الخاصة هي مشروع وطني بامتياز لأن إعادة بناء الأثير تعني إعادة بناء الصوت السوداني نفسه.
لقد احترقت الأبراج… لكن الفكرة لم تحترق.
وما بين رماد الحرب تلوح فرصة تاريخية…فرصة لأن يسهم القطاع الخاص في ثورة إذاعية جديدة لا تكتفي بأن تبث الصوت… بل تصنع المستقبل.
ولنا لقاء











