الاخبار

مني أركو مناوي يكتب : صدق_حميدتي_ولو_كذب

خرطوم سبورت

 

مني أركو مناوي يكتب : صدق_حميدتي_ولو_كذب
في ظهوره الأخير في الخط الاستواء ، أثار محمد حمدان دقلو جدلاً لم يكن سببه حديثه وحده ، بل أيضاً مظهره الصارخ الذي بدا متكلفاً أكثر من كونه تعبيراً عفوياً عن هوية أفريقية، لم يكن ارتداء الزي الأفريقي هو موضع الاستغراب ، فذلك حق مشروع لأي إنسان ، لكن المبالغة في الألوان والهيئة أعطت انطباعاً أقرب إلى ما يصفه المثل السوداني بـ زاد المحلبية ، أي الإفراط الذي يفقد الفعل معناه ويحوله إلى استعراض ، غير أن المظهر يظل تفصيلاً أمام ما ورد في الندوة من تصريحات تستحق التوقف عندها، لأنها حملت قدراً من صراحة الغافل في خطابه السياسي الذي سعي الي الإنكار والمراوغة لولا رذاذ الدم الذي يفوح من فمه يسبق الكلمات
أولاً :- حديث الغياب والظهور
تساءل الرجل مازحاً إن كان هو ذاته أم روبوتاً ، ملمحاً إلى ماكينة إلكترونية على ظهره ورغم الطابع الساخر للتعليق ، إلا أنه كشف عن مفارقة حقيقية قائد قوة عسكرية لا يمكن أن يختفي طويلاً دون أن يثير تساؤلات حول القيادة والسيطرة والمسؤولية المقارنة التي تستحضرني أحياناً مع الراحل محمد إبراهيم نقد ، لكنها غير متجانسة ، فالأخير كان يقود عملاً سياسياً مدنياً أعزل في ظروف قمعية ، بينما الحديث هنا عن قائد تشكيل عسكري يمتلك السلاح والنفوذ صدق الرجل في دهشته من غرابة المشهد، لكن الصدق وحده لا يعفي من تبعات الغياب في زمن تتحدد فيه مصائر الأوطان
ثانياً : الاعتراف بجلب مرتزقة
من أخطر ما ورد في حديثه إقراره بجلب مقاتلين أجانب، بمن فيهم فنيو طائرات مسيرة من جنسيات مختلفة ، الاعتراف في حد ذاته يعد تحولاً من الإنكار إلى الإقرار ، لكنه يفتح باباً أعظم بأي منطق تُستدعى عناصر أجنبية إلى أرض الوطن في نزاع داخلي…؟ وأي رسالة ترسل إلى شعب أنهكته الحرب التي أشعلها المتحدث حين يقال له إن مدنه كانت ساحة لتجارب مرتزقة مدن طالما استثمر بها الشعب السوداني جيل وراء الجيل…. ؟

السؤال هنا ليس عن الأعداد ولا الجنسيات ، بل عن المبدأ استدعاء قوة خارجية إلى نزاع داخلي يضاعف الألم ويفتح الباب لفوضى لا يمكن ضبطها وحتى إن حاول أي طرف تبرير ذلك بمقارنات مع خصومه ، فإن المقارنة لا تسقط المسؤولية الأخلاقية ولا القانونية، الجريمة لا تُبرر بجريمة والخراب لا يغسل بخراب

ثالثاً :- الإشادة بموقف عبد الواحد
حديثه عن الأستاذ عبد الواحد محمد نور بوصفه ( كسباناً ) لأنه اتخذ موقفاً حيادياً ، هذا الموقف منطلقه فهم نفعي للسياسة ، من لا يحاربني فهو مستفيد ، لكن الوطن لا يدار بمنطق ( سلّم تسلم ) أهل دارفور بكل مكوناتهم ليسوا أوراق تفاوض ولا يختزلون في قبائل تصنّف وفق درجة الولاء أو العداء ، السلام الحقيقي لا يكون بمنح الأمان المشروط ، بل بإرساء دولة قانون تعيد الحقوق وتساوي بين المواطنين أما الإيحاء بأن من اختار الحياد قد ( سلم أهله ) من الاعتداء، فهو منطق يرسخ الخوف لا الثقة ويبقي السلاح والرشوة حكماً فوق المجتمع
رابعاً :- الحديث عن إنهاء خصومه” مناوي وجبريل”

إشارته إلى إنهاء ( أهل مناوي وجبريل) توحي بفهم خطير للصراع ، كأنه مواجهة بين جماعات محددة ، غير أن الواقع أوسع وأقسى ، ضحايا الابادة الجماعية في الفاشر ليسوا قبيلة بعينها ولا حزباً بعينه ، بل هم سودانيون من مختلف المشارب بما في ذلك عبدالواحد الذي استثنيته ، الدم لا يحمل بطاقة انتماء، والرصاصة لا تسأل عن الهوية كادعائك .
إن اختزال الصراع في ثنائية “نحن” و“هم” يعمق الجرح الوطني ويغلق باب المصالحة. السودان ليس ساحة لتصفية حسابات بين قادة، بل وطنٌ تراكمت فيه مؤسسات وتعليم واستثمار وذاكرة جماعية عبر عقود طويلة. تدمير المدن ونهبها لا يُلغي تاريخها، كما أن إفراغها من أهلها لا يصنع شرعية جديدة علي انقاض دولة 1956 التي أسست الحواكير التي تمثل ارث تاريخي الذي ترفضه أنت .
#الرسالة
الصدق في بعض العبارات لا يكفي إن لم يتبعه صدق في مراجعة المسار. الاعتراف خطوة أولى، لكنه يصبح بلا قيمة إن لم يُفضِ إلى تحمل المسؤولية.القائد يقاس بقدرته على حماية شعبه لا بقدرته على إخضاعه إستحواذه، وبسعيه لإيقاف النزيف لا بتبريره.
إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يُطفئ النار لا يُغذّيها، ويؤسس لدولة مواطنة لا دولة سلاح. وأي قائد، مهما بلغت قوته، سيبقى عابراً أمام حقيقة واحدة: أن الشعوب لا تنسى، وأن التاريخ لا يكتبه المنتصر الظالم رغم انك لم تنتصر ، بل يكتبه من صان حياة الناس وكرامتهم . ‏

#مني_أركو_مناوي ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى