
*جرعة وعي : العنف اللفظي*
*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
في عالمنا الرقمي الذي نعيشه اليوم أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من علاقتنا الاجتماعية وساحات رئيسة للتفاعل الاجتماعي، إلا إنه مع انتشارها السريع استحدثت العديد من التحديات التي تثير قلقا كبيرا في العصر الرقمي من أبرز مظاهر العنف اللفظي مثل الشتائم والتهديدات والتحريض. ولا يقتصر تأثيره على الأفراد المستهدفين فحسب، بل يتعداه إلى سلامة المجتمع الرقمي الذي بدوره يعكس توترات اجتماعية وحتى سياسية.
يأتي العنف اللفظي في وسائل التواصل الاجتماعي في أشكال متعددة، فقد يظهر باستخدام الكلمات والعبارات التي تهدف إلى الإساءة أو التحقير أو الترهيب أو التهديد عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الشائعات الضارة والتنمر اللفظي وغيرها من أساليب العنف اللفظي وقد يشكل خطرا كبيرا على الأفراد والمجتمعات، إذ يترك جروحا نفسية عميقة، ويقوض العلاقات الإنسانية، وقد حثّ الإسلام على الكلمة الطيبة ونبذ الإساءة، مشددا على أهمية ضبط النفس والتسامح في مواجهة الكلمات الجارحة، إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعيا مجتمعيا، وتعزيز ثقافة الاحترام والحوار البنّاء.
لقد أقام القرآن للكلمة معيارا دقيقا لا يحتمل الفوضى ولا التسيب فقال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فجعل الحسن حدا أدنى، لا مقاما اختياريا .
ثم شدد الرقابة الإلهية على اللفظ، فقال:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، لتعلم أن الكلمة لا تموت بعد خروجها، بل تبدأ رحلتها في سجل لا يمحى .
ولما كان العنف اللفظي يتلوّن جاء النهي القرآني كاشفا لوجوهه الخفية :
﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، لأن السخرية ليست طرافة، بل استعلاء.
وقال جلا شأنه ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، لأن النداء الجارح ليس وصفا، بل إهانة.
ثم جاء التوجيه الأعلى :
﴿وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، لا الحسنة فحسب… بل الأحسن، وكأن المطلوب تهذيب الكلمة حتى تبلغ ذروة الجمال.
وفي السنة النبوية، يتجلى الحسم الأخلاقي في أوضح صوره :
“المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فابتدأ باللسان، لأن أذاه أسرع نفاذا، وأبقى اثرا.
وقال صلى الله عليه وسلم : “ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء”، فنفى الإيمان الكامل عمّن اتخذ القسوة منهجا، والفظاظة طبعا .
ثم يرتقي التحذير إلى حد يزلزل الغفلة :
“إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفًا”…
كأن اللسان، إن ترك بلا لجام صارم قد يقود صاحبه إلى مصير لم يقصده.
وفي المقابل، تفتح أبواب النجاة بكلمة :
“الكلمة الطيبة صدقة”، لتدرك أن اللسان ذاته، الذي قد يكون سبب هلاك، يمكن أن يكون سبب نجاة.
وقد وعى السلف هذا الخطر، فقال الإمام علي رضي الله عنه:
“جراحات السنان لها التئام، ولا يلتام ما جرح اللسان”، لأن الجسد يبرأ، أما الكرامة إذا جرحت ، فندبتها باقية.
والعنف اللفظي إذا ووجه بمثله، تضاعف ولم ينطفئ.
ثم إن العنف اللفظي ليس خطأ لغويا … بل انحراف قيميّ.
هو أول طريق القطيعة، وأسرع جسور الكراهية، وأخفّ الذنوب في أعين الناس… وأثقلها في معيار الحق.
به تهدم البيوت دون معول، وتتفكك العلاقات دون صخب، وتطفأ إنسانية الإنسان دون أن يشعر.
خلاصة الأمر :
الخاتمة:
إن أخطر ما في العنف اللفظي أنه لا يقف عند حدود الأذى… بل يتجاوزها ليصوغ مصير صاحبه.
كلمة تقال في لحظة غفلة… قد تثقل صحيفة عمرٍ كامل، وقد تفتح بابا من الندم لا يغلق .
تأملها بصدق :
أنت لا تتكلم فقط… أنت تزرع،
وكل كلمة ستعود إليك يوما … إمّا دعاءا يرفعك أو دعوة تثقل كاهلك.
فليس السؤال: ماذا قلت؟
بل : ماذا سيقال عنك بين يدي الله
هناك… حيث لا مجاملة
ولا اعتذار
ولا فرصة لاستدراك كلمة خرجت وانتهت…
هناك فقط… ستدرك أن اللسان لم يكن عضوا صغيرا ،
بل كان طريقا كاملا … إمّا إلى النجاة أو إلى الهلاك.
هذا مع كامل الود





