الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : مصر وإفريقيا… احتفال موسمي أم انتماء حقيقي؟

خرطوم سبورت

 

مصر وإفريقيا… احتفال موسمي أم انتماء حقيقي؟

اسماعيل شريف

مع احتفالات مصر ام الدنيا بيوم إفريقيا، تتزين المنصات الرسمية في مصر بخطابات تؤكد “عمق الانتماء الإفريقي” و”الروابط التاريخية مع القارة السمراء”، لكن السؤال الذي يظل معلقاً في أذهان كثير من الأفارقة والمصريين معاً هو هل تنتمي مصر إلى إفريقيا بالوجدان السياسي والثقافي فعلاً، أم أنها تتذكر إفريقيا فقط في المناسبات الرسمية وملفات الأمن القومي؟

جغرافياً، لا خلاف على أن مصر دولة إفريقية، وأن نهر النيل الذي صنع حضارتها يربطها بعمق القارة قبل أن يربطها بالعالم العربي أو البحر المتوسط. لكن سياسياً وثقافياً، تبدو العلاقة أكثر تعقيداً. فمصر الحديثة، منذ عقود طويلة، ظلت تنظر شمالاً أكثر مما تنظر جنوباً تنظر إلى أوروبا، والولايات المتحدة، والخليج، وروسيا، والصين، بينما بقيت إفريقيا ــ باستثناء ملف المياه والأمن ــ في مرتبة متأخرة داخل العقل السياسي والإعلامي المصري.
وربما يكفي أن مقر الاتحاد الإفريقي يوجد في أديس أبابا، بينما تصر مصر على احتضان مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، في دلالة رمزية عميقة على أي الدائرتين تعتبرها القاهرة امتدادها الطبيعي والأكثر أهمية. فمصر تتحرك داخل العالم العربي بثقة “الشقيقة الكبرى”، لكنها في إفريقيا كثيراً ما تبدو كدولة تبحث عن موطئ قدم متأخر وسط قارة تغيرت موازينها سريعاً.
المفارقة أن مصر الناصرية في عهد جمال عبد الناصر كانت أحد أهم أعمدة التحرر الإفريقي، ودعمت حركات الاستقلال في القارة سياسياً وإعلامياً وعسكرياً. يومها كانت القاهرة عاصمة للحالمين بإفريقيا مستقلة وموحدة. لكن ذلك الزخم تراجع تدريجياً مع تغير أولويات الدولة المصرية، لتتحول إفريقيا في أحيان كثيرة إلى “ملف أمني” أكثر من كونها فضاءً حضارياً وثقافياً واقتصادياً متكاملاً.
حتى على المستوى الشعبي، لا يبدو الانتماء الإفريقي حاضراً بقوة في الوعي المصري العام. فالمواطن المصري قد يفتخر بعروبته أو بامتداده المتوسطي، لكنه أحياناً يتردد في تعريف نفسه كإفريقي، وكأن إفريقيا في المخيلة الشعبية ليست هوية ثقافية كاملة، بل مجرد جغرافيا بعيدة أو بطولة لكرة القدم. وهنا تظهر فجوة معرفية كبيرة فكم يعرف المصري العادي عن حضارات غرب إفريقيا؟ عن تاريخ مالي وتمبكتو؟ عن أدب نيجيريا؟ عن موسيقى الكونغو؟ عن فلسفات الشعوب الإفريقية وأساطيرها؟ للأسف، يظل الحضور الإفريقي في الإعلام والتعليم والثقافة المصرية محدوداً للغاية مقارنة بالحضور الأوروبي أو الخليجي.
ورغم ذلك، فإن إفريقيا تحتاج مصر، كما تحتاج مصر إفريقيا. تحتاج القارة إلى الثقل السكاني والثقافي والتعليمي المصري، وإلى الجامعات والخبرات الطبية والإعلامية والدينية المصرية. وفي المقابل تحتاج مصر إلى الأسواق الإفريقية، وإلى العمق الاستراتيجي والسياسي، وإلى بناء تحالفات حقيقية داخل قارة ستكون أحد أهم مراكز النمو السكاني والاقتصادي في العالم خلال العقود القادمة.
لكن العلاقات لا تُبنى بالشعارات وحدها. إفريقيا اليوم تغيرت كثيراً. هناك قوى إفريقية جديدة صاعدة مثل نيجيريا وإثيوبيا وجنوب إفريقيا وكينيا باتت تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً متزايداً. وبعض الأفارقة ينظرون إلى مصر باعتبارها دولة تنتمي إلى إفريقيا حين تحتاج دعماً سياسياً أو دفاعاً عن مصالحها المائية، ثم تعود سريعاً إلى فضائها العربي والمتوسطي بمجرد انتهاء الأزمة.
أما إدارة الملف الإفريقي داخل مصر، فهي تبدو موزعة بين مؤسسات متعددة وزارة الخارجية المصرية، والأجهزة السيادية، ورئاسة الجمهورية المصرية، بحكم حساسية ملفات المياه والأمن الإقليمي والهجرة والنفوذ الدولي داخل القارة. ولذلك يطغى البعد الأمني والاستراتيجي أحياناً على البعد الثقافي والإنساني الذي تحتاجه أي علاقة مستدامة.
السؤال الحقيقي ليس هل مصر إفريقية؟ فالجغرافيا حسمت ذلك منذ آلاف السنين. السؤال الأهم هل تشعر مصر بأنها إفريقية؟ وهل يشعر الإفريقي العادي أن مصر جزء حي من قضاياه وأحلامه وهمومه؟
الانتماء لا تصنعه الخطب السنوية ولا الاحتفالات البروتوكولية، بل تصنعه المعرفة المتبادلة، والاحترام المتبادل، والانفتاح الحقيقي على الشعوب لا الحكومات فقط.
وربما آن الأوان لكي تنظر مصر جنوباً ليس بوصفه “حديقة خلفية” للأمن القومي، بل بوصفه امتداداً حضارياً وإنسانياً لا يمكن لأي دولة إفريقية كبرى أن تدير ظهرها له طويلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى