
من قراءة المؤشرات إلى ملامح الهدنة…
هل يقترب السودان من أول خطوة حقيقية نحو إيقاف الحرب؟
إسماعيل شريف
عندما كتبنا، قبل أيام، أن السودان يقف على أعتاب تحول سياسي قد يسبق نهاية الحرب، لم يكن ذلك استنادًا إلى أمنيات، بل إلى قراءة متأنية لسلسلة من المؤشرات السياسية والدبلوماسية التي بدت، للوهلة الأولى، أحداثًا متفرقة. يومها تحدثنا عن التحركات الأمريكية المتسارعة، والاتصالات الإقليمية، ورسائل المبعوثين الدوليين، واللغة الجديدة التي بدأت تطغى على الخطاب السياسي، وقلنا إن كل ذلك يشير إلى أن المجتمع الدولي بدأ ينتقل من إدارة الحرب إلى البحث عن آلية عملية لإنهائها.
واليوم، تبدو تلك المؤشرات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فالمعلومات المتداولة عن المقترح الأمريكي، وما رشح بشأن قبول الحكومة السودانية لمعظم بنوده مع التحفظ على بند يتعلق بترتيبات الانتشار العسكري، لا تمثل مجرد خبر سياسي عابر، بل تعكس تحولًا في طبيعة النقاش نفسه. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم تعد الأولوية تدور حول تحقيق مكاسب ميدانية، وإنما حول كيفية تثبيت هدنة، وآليات مراقبتها، وكيفية الانتقال من وقف مؤقت لإطلاق النار إلى سلام أكثر استدامة.
وليس من قبيل المصادفة أن تتضمن ملامح المقترح هدنة إنسانية لمدة تسعين يومًا، ولجنة للإشراف على تنفيذها، واستئناف التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، وإنهاء الدعم العسكري الخارجي، والحفاظ على جيش وطني موحد، وتهيئة الطريق أمام سلطة مدنية انتقالية. فهذه هي الملفات نفسها التي ظل المجتمع الدولي يعتبرها مفاتيح أي تسوية قابلة للحياة.
غير أن ما يستحق الانتباه هو أن التحفظات المعلنة لا تبدو، حتى الآن، رفضًا لمبدأ الهدنة، وإنما ترتبط بكيفية تنفيذ بعض الترتيبات العسكرية على الأرض. وإذا صح ذلك، فإن المفاوضات تكون قد انتقلت من مرحلة الخلاف على الفكرة إلى مرحلة التفاوض حول التفاصيل، وهي مرحلة غالبًا ما تسبق الاتفاقات الكبرى، وإن كانت لا تضمن نجاحها.
لقد علمتنا التجربة السودانية أن الطريق إلى السلام ليس مستقيمًا. فكم من هدنة أعلنت ثم انهارت، وكم من تفاهمات اصطدمت بغياب الثقة أو تعقيدات الميدان أو تضارب المصالح الإقليمية. ولذلك فإن التفاؤل يجب أن يظل مصحوبًا بالواقعية، وأن يُبنى على الوقائع لا على الرغبات.
ومع ذلك، فإن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الجولة تختلف عن سابقاتها. فالإرهاق الذي أصاب جميع الأطراف، وتفاقم الكارثة الإنسانية، واتساع الضغوط الدولية، وتزايد الإدراك بأن الحرب لم تعد تنتج سوى مزيد من الخسائر، كلها عوامل تدفع باتجاه منح المسار السياسي فرصة أكبر مما كان عليه في السابق.
إن هدنة التسعين يومًا، إذا أُعلن الاتفاق عليها رسميًا، لن تكون نهاية الحرب، لكنها قد تكون بداية النهاية. فهي ستختبر قدرة الأطراف على احترام التزاماتها، وتفتح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية، وتمنح ملايين السودانيين نافذة أمل افتقدوها طويلًا، كما قد تمهد لإطلاق عملية سياسية مملوكة للسودانيين تضع أسس الدولة بعد الحرب.
لقد حاولنا، في مقالاتنا السابقة، أن نقرأ ما وراء الأخبار، وأن نربط بين المؤشرات المتناثرة لنستشرف اتجاه الريح. واليوم، لا نزعم أن السلام قد تحقق، لكننا نستطيع القول إن رياح السياسة بدأت تهب بقوة أكبر من أصوات المدافع، وإن السودان ربما يقف أمام أهم فرصة منذ اندلاع الحرب للانتقال من منطق السلاح إلى منطق الحوار.
ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون جميعًا إجابته: هل تتحول هذه المؤشرات إلى اتفاق تاريخي يوقف نزيف الدم، أم تضيع فرصة أخرى في دهاليز السياسة؟
الأيام القليلة المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.










